في خطابه بمناسبة عيد العرش، أعاد الملك محمد السادس مدّ اليد إلى الجزائر، موجها نداءً صريحًا لتجاوز القطيعة، وبناء مستقبل مشترك بين الشعبين. مشهدٌ ليس بجديد في خطابات الجالس على العرش، لكنه هذه المرّة جاء في توقيت بالغ الدقة، إقليميًا ودوليا، ومعزّزًا بموقع تفاوضي أكثر صلابة لصالح الرباط.
كثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي تذمّروا من هذه الإشارة، واعتبروها تنازلاً غير مبرر تجاه جارٍ لا يفوّت مناسبة لسبّ المغرب وشعبه ومؤسساته. غير أن من يقرأ الخطاب بعين التحليل الجيوسياسي لا العاطفة، سيفهم أن اليد الممدودة ليست نابعة من موقع ضعف أو استجداء، بل من موقع تكتيكي مدروس، يُحاصر الجزائر أخلاقيًا، ويضعها في مرمى النقد الدولي كلما تشبثت بموقفها العدائي الجامد.
منذ أكثر من خمس سنوات، بات الخطاب المغربي أكثر هدوءًا، وأكثر تحكمًا في وتيرته. لم يعد المغرب يرد على الإساءات الجزائرية بالمثل، بل يراكم رصيده الأخلاقي والدبلوماسي، في مقابل جنوح جارته الشرقية إلى خطاب شعبوي متشنج، يفتقد إلى الرصانة المطلوبة في لغة العلاقات الدولية.
وتأسيسا على ذلك، فإن الملك لا يخاطب قصر المُرادية فقط حين يمدّ يده، بل يخاطب المجتمع الدولي، ويضع الجزائر في زاوية الحرج أمام المنتظم الأممي. كل مبادرة من هذا النوع تُسجَّل لصالح الرباط، كطرف يسعى إلى التهدئة وبناء الجسور، بينما تتراكم على الجزائر صور دولة منغلقة، حبيسة منطق الحرب الباردة، تُراكم الضغينة ولا تملك لا الشجاعة السياسية للمبادرة، ولا الشجاعة الأدبية للاعتذار.
ثم إن المغرب لا يجهل موقف الرأي العام الداخلي إزاء هذا الانفتاح، ويعرف جيدًا أن الشارع المغربي لم يعد متحمسًا للتقارب مع نظام يُمعن في عدائه. لكن الدولة، بعكس الأفراد، لا تشتغل تحت وقع الانفعال. واليد الممدودة ليست “صك غفران” مجاني، بل خطاب ضغط ناعم، يهدف إلى فتح ثغرات في جدار الصمت الجزائري، وجرّه إلى معادلة تفاوض جديدة دون أن يكلّف المغرب ثمنًا سياسيا أو دبلوماسيا.
ينضاف الى ذلك، أن هذه الدعوة تأتي في لحظة استثنائية أيضًا من حيث موازين القوة. الرباط تواصل حصد الاعترافات الدولية بمبادرة الحكم الذاتي، من واشنطن إلى باريس، ومن مدريد إلى برلين، بل وحتى من لندن ولشبونة. الحزام الداعم للمغرب اتسع، في مقابل تراجع زخم البوليساريو وانكماش خطاب الجزائر، الذي لم يعد يجد صدًى خارج بيانات “الجبهة الانفصالية” أو أذرعه الإعلامية.
إنها إذن دعوة لا تأتي من موقع ضعف، بل من تموقع جديد للمغرب في خريطة النفوذ الإقليمي. يد ممدودة، نعم، ولكن بذراع واثقة، ومشروعية دولية، وشرعية شعبية بدأت تُدرك أن الصمت أحيانًا أبلغ من الرد، وأن السياسة الحقيقية تُبنى بالحساب، لا بالحنق.
المغرب لا يحتاج إلى الجزائر، لكنه لا يخسر شيئًا حين يدعوها مجددًا إلى طاولة الحوار. والخطاب الملكي، بهذه القراءة، ليس إشارة وُدّ، بل درسٌ في الحنكة، عنوانه “كيف تفرض حضورك الدبلوماسي بصمت، وتجعل من خصمك يبدو أمام العالم وكأنه الطرف المتعنت الذي يرفض اليد الممدودة حتى حين لا يملك بديلا لها”.







