أثار الخبير الاقتصادي والمحلل إدريس الفينة نقاشًا واسعًا بعد نشره تدوينة على حسابه بموقع فيسبوك اعتبر فيها أن المذكرة التي وجهها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت إلى الولاة والعمال بشأن إعداد جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، تفتقر إلى أي سند قانوني أو دستوري، وقد تُكرّس منطق الاستمرارية بدل إحداث القطيعة التي دعا إليها الملك محمد السادس في خطاب العرش الأخير.
الفينة رأى أن مضمون المذكرة، التي طالبت المسؤولين الترابيين بالتسريع في وضع هذه البرامج على مستوى العمالات والأقاليم، يتجاوز حدود صلاحيات وزارة الداخلية، إذ إن الدستور والقوانين التنظيمية الخاصة بالجماعات الترابية نصت بوضوح على آليات وبرامج التنمية المحلية، بدءًا ببرنامج عمل الجماعة، مرورًا ببرنامج العمل الإقليمي، وصولًا إلى برنامج التنمية الجهوية. وبالتالي، فإن أي وثيقة جديدة تستحدث خارج هذا الإطار لا تجد لها أساسًا قانونيًا، مما يطرح، في نظره، إشكالًا يتعلق بتأويل الخطاب الملكي وتطبيقه على أرض الواقع.
وفي قراءته للخطاب الملكي، شدد الفينة على أن الملك لم يكلّف وزير الداخلية بمراسلة الولاة والعمال بهذا الشكل، بل ركّز على ضرورة الانتقال من مقاربات تقليدية للتنمية الاجتماعية إلى مقاربة ترابية مندمجة، قائمة على العدالة المجالية وتثمين الخصوصيات المحلية. غير أن الوزير، بحسبه، اختار الطريق الأسهل عبر إحالة “الكرة الساخنة” إلى المسؤولين الترابيين، في وقت يرى أن هؤلاء أنفسهم كانوا جزءًا من المقاربة التي أفرزت وضعية “مغرب السرعتين” التي انتقدها الخطاب الملكي بحدة.
وأشار الفينة إلى أن أصل الاختلالات لا يرتبط بغياب وثائق أو برامج جديدة، بل أساسًا بضعف التمويلات المرصودة للمجالات الترابية التي تعاني العجز، ثم بضعف قدرات القيادة المحلية على التنزيل الفعلي لبرامج التنمية. واستشهد بدراسة أنجزها قبل أكثر من عشر سنوات، ونُشرت في مجلة علمية دولية، خلصت إلى أن الميزانيات الحالية المخصصة للجماعات، حتى لو استمرت لعقود، لن تسمح بتدارك الفوارق المجالية ولا بتحقيق نقلة تنموية حقيقية.
كما انتقد غياب أي نقاش مؤسساتي قبل إصدار المذكرة، معتبرًا أنه كان أجدر بالوزارة فتح ورش داخلي مع خبراء لفهم أسباب إخفاق السياسات الترابية السابقة، بدل استعجال إعداد وثائق جديدة قد تظل حبرًا على ورق. وأكد أن نتائج الإحصاء العام الأخير توفر معطيات دقيقة لتحديد المناطق الأكثر هشاشة، غير أن ذلك يتطلب في المقام الأول إيجاد آليات تمويل مبتكرة بدل الاعتماد على الميزانيات الضعيفة المتوفرة حاليًا.
ويأتي هذا النقاش في سياق سياسي دقيق، إذ تستعد البلاد لمحطات انتخابية جماعية وتشريعية، بينما يلح الخطاب الملكي على ضرورة تكريس العدالة المجالية وضمان استفادة جميع المواطنين من ثمار التنمية. وهو ما يضع مذكرة وزير الداخلية، في نظر الفينة، أمام مساءلة قانونية وسياسية، خصوصًا أنها قد تُفهم كتغوّل للإدارة الترابية على حساب الاختصاصات الأصيلة للمنتخبين المحليين، في وقت تتعالى فيه الدعوات إلى تعميق ورش الجهوية المتقدمة وإعطائها محتوى ديمقراطيًا فعليًا.







