مرة أخرى يجد قطاع السياحة المغربي نفسه في قلب الجدل، ليس بسبب الأرقام التي دأبت الوزيرة فاطمة الزهراء عمور على التباهي بها، بل بسبب الطريقة التي تُدار بها السياسات السياحية، والتي تكشف مع مرور الوقت عن طابعها التسويقي أكثر من كونها إصلاحية أو هيكلية. آخر فصول هذا الجدل جاء مع برنامج “الزبون السري”، الذي رصدت له الشركة المغربية للهندسة السياحية غلافًا ماليًا يناهز 14 مليار و700 مليون سنتيم، بدعوى تقييم جودة الخدمات في مؤسسات الإيواء السياحي. برنامج يبدو في ظاهره محاولة لمواكبة المعايير الدولية، لكنه في الجوهر يعكس مرة أخرى نزعة الوزيرة القادمة من عالم التسويق داخل مجموعة “أكوا” المملوكة لرئيس الحكومة “عزيز أخنوش”، إلى تغليب الصورة والواجهة على حساب المضمون.
المفارقة أن هذا البرنامج يأتي في وقت يتحدث فيه الفاعلون عن أزمات بنيوية تضرب القطاع، بدءًا من ضعف البنية التحتية وتدهور الجودة في وجهات عديدة، مرورًا بارتفاع الأسعار وغياب التوازن بين الكم والكيف، وصولاً إلى هشاشة مساهمة السياحة في الاقتصاد المحلي. في المقابل، تنفق الوزارة الملايين على “زبائن سريين” يزورون الفنادق في مهام أقرب إلى استعراض العلاقات العامة منها إلى إصلاح عميق. وهنا يطرح سؤال مشروع، كيف يمكن لقطاع يعيش على مفارقة “أرقام كبيرة وعوائد ضعيفة” أن يعالج أزماته الحقيقية ببرامج شكلية؟
ويشكل “الزبون السري” في التجارب الدولية، أداة أساسية لتقويم الخدمات السياحية بشكل محايد وعملي، إذ تلجأ إليه دول مثل إسبانيا وتركيا وتايلاند بشكل دوري لقياس جودة الاستقبال والنظافة والشفافية في التسعير وفعالية البنية التحتية. ويتم اختيار هؤلاء الزبائن السريين من مكاتب تدقيق مستقلة، يتوزعون على فنادق ومطاعم ووكالات سفر ومنشآت ترفيهية، ثم يرفعون تقارير مفصلة إلى السلطات المختصة أو الهيئات المهنية التي تعلن نتائجها وتبني عليها سياسات لتدارك النقائص. هذه العملية لا تُوظف فقط في تحسين صورة الوجهة، بل تتحول إلى مؤشر دقيق للتنافسية الدولية، حيث تحتل نتائج تقييم “الزبون السري” مكانة بارزة في التقارير السنوية لمنظمة السياحة العالمية ومعاهد التصنيف السياحي.
أما في المغرب، فقد جرى تقديم هذه التجربة من طرف وزيرة السياحة بطريقة أثارت جدلاً واسعاً، إذ تم تسويقها كأنها ابتكار وطني غير مسبوق، بينما اقتصرت آليتها – وفق المعطيات المتوفرة – على اختبارات انتقائية لم تُعلن معاييرها ولا نتائجها للرأي العام. هذا الغموض جعل عدداً من المهنيين يرون أن العملية شُوّهت منذ البداية، إذ لم تُبن على أسس موضوعية ولا على شراكة مع هيئات مستقلة، بل جرى استعمالها كأداة دعائية لتزكية الخطاب الرسمي حول نجاح القطاع. وبالمقارنة مع التجارب الدولية التي تضع “الزبون السري” في قلب استراتيجيات تحسين الجودة، بدت النسخة المغربية أقرب إلى واجهة رمزية بلا أثر ملموس، الأمر الذي عمّق الفجوة بين الخطاب الرسمي حول “السياحة الناجحة” وبين شكاوى الزوار والمهنيين على حد سواء.
الأرقام الرسمية نفسها تفضح التناقض. فحسب وزارة السياحة، استقبل المغرب 11.6 مليون سائح حتى يوليوز 2025، بزيادة 16% مقارنة مع العام الماضي. لكن نصف هؤلاء تقريباً (52%) هم من المغاربة المقيمين بالخارج، الذين يتم عدّهم كسياح رغم أن قسمًا واسعًا منهم يقضي عطلته في منازل عائلية أو يحدّ إنفاقه إلى مستويات متواضعة. الخبير السياحي محمد التكناوتي أيت بوهو أوضح في اتصال مع نيشان أن نسبة النمو في يوليو لم تتجاوز 6%، منها 2% فقط للسياح الأجانب، وهو رقم “ضعيف وغير مشرّف”، مضيفًا أن “النتائج الحالية لا تواكب الاتفاقيات الموقعة مع شركات الطيران ولا حجم الإمكانات المرصودة للقطاع”.
أما في الميدان، فالصورة أكثر قتامة. جليل لمباركي، فاعل سياحي بورزازات، قال في تصريح لنيشان: “نسمع عن 11 مليون سائح، لكن الفنادق في مدن مثل ورزازات لا تتجاوز نسب الملء فيها 40%. غياب الربط الجوي وضعف الترويج للوجهات الداخلية يجعلنا غرباء عن هذه الأرقام الرسمية”. ويضيف أن “المهنيين ينتظرون إصلاحات تضمن استدامة النشاط وفرص عمل للشباب، لا مجرّد مبادرات شكلية كتقارير الزبون السري”.
وحتى على المستوى السياسي، يتعالى النقد. فقد وجهت النائبة البرلمانية سلوى البردعي سؤالاً كتابياً لوزيرة السياحة، طالبت فيه بكشف تفاصيل هذه الصفقة وجدواها، معتبرة أن تخصيص ما يقارب 15 مليار سنتيم لبرنامج من هذا النوع “ترف مالي” في وقت يحتاج فيه القطاع إلى إصلاحات عميقة. وهو نقد يعكس اتساع الهوة بين أولويات الوزارة وما يطالب به البرلمان والمهنيون على حد سواء.
من جهته أكد الخبير الاقتصادي محمد الرهطوط في اتصال هاتفي مع نيشان أن “منطق التسويق لا يصلح كمنطق لتدبير قطاع استراتيجي”، موضحاً أن “الأرقام التي تُقدَّم قد تبدو مبهرة، لكنها لا تعكس مردودية حقيقية إذا لم تترافق مع مؤشرات الإنفاق وخلق القيمة”. ويرى أن “عمور، القادمة من خلفية تجارية بحتة، ما تزال أسيرة عقلية السوق الاستهلاكي التي تُعلي من المظهر على حساب الجوهر”.
وزيرة السياحة، إذن، تحاول إقناع الرأي العام بأن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو 26 مليون سائح بحلول 2030. لكن ما لم يرافق هذا الهدف تطوير حقيقي للعرض السياحي، وإعادة الاعتبار للمنتوج المحلي، وتحسين جودة الخدمات والبنية التحتية، فإن الأمر لن يتجاوز التلميع الخارجي. أما برنامج “الزبون السري” فقد يُنتج تقارير أنيقة تُضاف إلى رفوف الوزارة، لكنه لن يعالج أعطاب السياحة المغربية، التي تحتاج إلى رؤية استراتيجية لا إلى استراتيجيات دعائية.







