علمت نيشان من مصادر مطلعة أن إدارة الجمارك المغربية رفعت منذ أسابيع حالة الاستنفار إلى أقصى درجاتها في مواجهة ما وصفته مصادر مطلعة بـ”أكبر موجة غزو للبضائع المقلدة” يشهدها المغرب منذ عقدين. هذه الحملة غير المسبوقة تأتي بعد أن تمكنت الأجهزة المختصة من تفكيك مستودعات سرية للسلع المغشوشة في ضواحي الدار البيضاء، عُثر بداخلها على آلاف القطع من الملابس الفاخرة والأحذية الرياضية والساعات المقلدة بدقة عالية، في انتظار توزيعها على محلات التجزئة بل وحتى إرسال بعضها إلى أسواق خارجية.
وتشير المعطيات التي حصلت عليها نيشان إلى أن هذه الشبكات لا تشتغل فقط عبر المعابر الحدودية، بل بنت خلال السنوات الأخيرة إمبراطورية موزعة بين التخزين المحلي والتصنيع داخل ورشات خفية. بعضها ورش مموهة في مناطق صناعية صغيرة، تعمل في وضح النهار تحت لافتات شركات وهمية لتفادي المراقبة. الأخطر، بحسب المصادر ذاتها، أن التحقيقات الجارية أظهرت وجود تواطؤ من داخل بعض الجهات “شبه الرسمية” سهّلت تمرير هذه البضائع عبر الموانئ والمطارات.
وتؤكد المصادر، أن الوثائق التي تمكنت فرق التحقيق من حجزها تكشف عن شبكة علاقات تمتد إلى الصين وتركيا، حيث يتم شحن بضائع “Master copy” عبر مسالك التفافية تمر من موريتانيا، قبل إدخالها إلى السوق المغربية بفواتير مضللة وتصريحات جمركية مزورة. وفي حالات أخرى، يتم استقدام قطع شبه جاهزة ثم إعادة تركيبها محليا بطريقة احترافية لتُباع على أنها أصلية.
وتعكس الأرقام حجم الكارثة، حيث أشارت أرقام غير رسمية، الى حجز ما يفوق مليوني قطعة مقلدة في ظرف سنة واحدة، بقيمة تقارب 20 مليون درهم، وهو رقم لا يشمل سوى ما تم ضبطه، فيما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن السوق السوداء للبضائع المقلدة في المغرب قد تصل قيمتها إلى ما يفوق 200 مليون درهم سنويا، إذا ما احتُسبت المنتجات التي تمر خلسة عبر القنوات غير المراقبة.
وخارج الجانب الاقتصادي، يطرح الملف أبعاداً أكثر خطورة تتعلق بالصحة العامة. فقد لاحظت فرق المراقبة تزايداً في تهريب العطور ومستحضرات التجميل المقلدة، والتي تباع في الأسواق الشعبية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بأسعار مغرية. هذه المنتجات، وفق شهادات جمعيات حماية المستهلك، تحتوي على مكونات كيميائية مجهولة قد تسبب أمراضاً جلدية وتنفسية خطيرة، في غياب أي ترخيص من وزارتي الصحة أو التجارة.
في السياق ذاته، أكد مصادر مطلعة أكدت لـنيشان أن الإدارة العامة للجمارك تستعد لإطلاق مرحلة ثانية من الحرب على هذه الشبكات، ستشمل مراقبة رقمية متقدمة للمنصات الإلكترونية التي باتت تتحول إلى أسواق افتراضية للسلع المقلدة، فضلاً عن تشديد التفتيش على محاور حساسة مثل ميناء طنجة المتوسط ومطار محمد الخامس. كما يجري الحديث عن إدماج وحدات استخبارات مالية لتعقب التدفقات النقدية المرتبطة بهذه التجارة التي تُعتبر اليوم إحدى أبرز شبكات الاقتصاد غير المهيكل في البلاد.
وبينما تتواصل التحقيقات في ملفات وصفت بـ”الحساسة”، تؤكد المعطيات أن المغرب دخل مرحلة جديدة من حرب طويلة الأمد ضد صناعة تقليد لا تضرب فقط في صميم الاقتصاد، بل تهدد أيضاً سلامة المستهلك وسمعة البلاد في التزاماتها الدولية بمكافحة الغش التجاري والاعتداء على الملكية الفكرية.







