يطرح الدخول السياسي المقبل مجموعة من التحديات الثقيلة التي تحط على طاولة الحكومة وهي تستعد لاستقبال عامها الأخير من ولايتها وفي سنة انتخابية بامتياز. فالموسم السياسي والاجتماعي الذي يفتتح في شتنبر 2025 لا يشبه غيره، إذ يأتي محمّلاً بملفات مؤجلة وأخرى مثيرة للجدل، وبانتظارات مجتمعية ضاغطة، فيما الزمن السياسي يضيق أمام فريق حكومي يدرك أن رصيده سيوضع تحت مجهر المحاسبة مع اقتراب استحقاقات 2026.
أولى هذه التحديات تتجلى في مشروع قانون المالية لسنة 2026، الذي سيكون الامتحان الأصعب لحكومة عزيز أخنوش. فبين ضرورة تخصيص اعتمادات إضافية لقطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والشغل، وبين ضغط الحفاظ على التوازنات المالية المهددة بمستويات العجز والمديونية، تجد الحكومة نفسها أمام معادلة معقدة. وإذا كان الشعار الرسمي يتحدث عن تكريس “الدولة الاجتماعية”، فإن الأرقام على الأرض تكشف ضغوطا متزايدة، في مقدمتها تضخم يرهق القدرة الشرائية، وأسعار محروقات ومواد غذائية تواصل الصعود، وبطالة مستعصية تجاوزت عتبة 12 في المئة، مع معدلات صادمة في صفوف الشباب والنساء.
غير أن الحسابات المالية ليست وحدها ما يثقل جدول الأعمال. فالملفات التشريعية المؤجلة تعود بقوة إلى الواجهة، وفي مقدمتها مدونة الأسرة التي ينتظر أن تدخل المسار البرلماني وسط انقسام مجتمعي حاد بين تيارات محافظة وليبرالية. كذلك يطرح ورش إصلاح التقاعد إشكالية كبيرة، بعد سنوات من النقاشات التقنية والنقابية، بينما تظل أسئلة العدالة بين الأجيال وضمان استدامة الصناديق مفتوحة بلا إجابات نهائية. أما قانون المسطرة الجنائية، ومعه القانون التنظيمي للإضراب، فيظلان بدورهما موضع تجاذب، بعدما أثارا جدلاً حقوقيا ودستوريا واسعا.
في المقابل، تحضر التوجيهات الملكية الأخيرة كمرجع ناظم لما ينتظر الحكومة. فقد شدد خطاب العرش على تعميم الحماية الاجتماعية، وتأمين الأمن المائي والغذائي، وإصلاح المنظومتين الصحية والتعليمية. وهي عناوين كبرى تتطلب ترجمة عملية وملموسة، في وقت ما تزال فيه أرقام البطالة ونسب ملء السدود ومحاصيل الحبوب تدق ناقوس الخطر. فالمواطنون، كما يقر الخبراء، لا يقيمون البرامج ولا الخطابات، بقدر ما يَزِنون أداء الحكومة بما يلمسونه يوميًا في المستشفيات والمدارس وأسواق المواد الأساسية.
وعلى المستوى السياسي، تواجه الأغلبية نفسها تحديا داخليا لا يقل خطورة. فالسنة الأخيرة عادة ما تفجر تناقضات الائتلافات الحكومية، حيث يسعى كل حزب إلى إبراز حصيلته الخاصة ونسب المنجزات إليه، فيما تُلقى الإخفاقات على حلفائه. وقد ظهرت بالفعل خلال الأشهر الماضية إشارات توتر بين مكونات الأغلبية الثلاثية، ما يجعل الحفاظ على الحد الأدنى من الانسجام رهانا صعبا، خاصة مع اقتراب معركة الانتخابات التشريعية التي سترسم ملامح المشهد المقبل.
وفي خلفية هذه التحديات، تلوح ملفات ذات حساسية اجتماعية كبرى، من ندرة المياه وتداعيات التغير المناخي، إلى أزمة سوق الشغل ومطالب النقابات. كما يظل سؤال الثقة بين الدولة والمواطن عنصرًا محوريا، وعما اذا كانت ستنجح “حكومة الملياردير عزيز أخنوش” في استعادة جزء من هذه الثقة عبر إجراءات ملموسة تعزز العدالة الاجتماعية، أم ستُسجَّل كحكومة الفرص الضائعة في لحظة دقيقة من تاريخ البلاد.
وفي انتظار الجواب، تؤكد المصادر أن الدخول السياسي الحالي لن يكون عاديا، بل اختبارا حقيقيًا لقدرة السلطة التنفيذية على التوفيق بين الحسابات الانتخابية والالتزامات الاجتماعية، بين خطاب الوعود وواقع الأرقام، وبين ما ينتظره المواطن وما تتيحه إمكانيات الدولة. والنتيجة، أيًا كانت، ستُحسب على رصيد حكومة أخنوش وهي تعبر منعطفها الأخير.







