عاد الجدل من جديد حول رفض التعامل بالدرهم المغربي في محلات الديوتي فري بالمطارات، وعلى رأسها مطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء، بعدما تزايدت شكايات المسافرين الذين عبروا عن استيائهم من حرمانهم من استعمال عملتهم الوطنية لاقتناء أبسط المشتريات داخل هذه الفضاءات. ورغم أن هذه المحلات توجد جغرافيًا داخل التراب الوطني وتخضع للقوانين المغربية، فإن التعاملات التجارية فيها تكاد تنحصر في العملات الأجنبية أو الدفع نقداً، ما يثير أسئلة عميقة حول السيادة النقدية والشفافية المالية في أحد أكثر المرافق الاستراتيجية حيوية بالمملكة.
مصادر مطلعة أوضحت أن حجم معاملات محلات الديوتي فري في مطار محمد الخامس وحده يقدر بعشرات الملايين من الدراهم سنويا، في ظل إقبال متزايد من المغاربة والأجانب على اقتناء منتجات مختلفة من عطور وسجائر ومشروبات وحلويات. غير أن ما يثير الاستغراب، وفق تعبير نفس المصادر، هو أن المواطن المغربي يجد نفسه مضطرا لاستعمال اليورو أو الدولار لدفع ثمن قارورة ماء أو علبة شوكولاتة، بينما لا تُقبل بطاقته البنكية بالدرهم، وهو ما يشكل مفارقة يصعب تبريرها.
وبالمقابل، يشير مسافرون إلى أن مطار مراكش المنارة يقدم نموذجا مختلفا نسبيا، حيث يسمح عدد من المحلات بقبول بطاقات الأداء بالدرهم، الأمر الذي يعكس غياب سياسة موحدة على الصعيد الوطني. وتعتبر المصادر أن هذا التباين بين مطارات المملكة يضعف صورة المغرب ويُربك المسافر، خصوصاً أن مطار محمد الخامس يعتبر الواجهة الأولى للبلاد ويستقبل سنويا ملايين المسافرين.
من جهتهم، أكد خبراء ماليون أن المشكل يرتبط بالأساس بطريقة تصنيف المعاملات المنجزة عبر أجهزة الأداء الإلكتروني داخل مناطق الديوتي فري. إذ تعتبرها البنوك عمليات بالعملة الصعبة، ما يدفعها إلى فرض رسوم إضافية على التحويل والصرف، وهو ما يثقل كاهل الزبناء ويجعل العديد منهم يلغون مشترياتهم. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن ما بين 20 و30 في المائة من الزبناء المغاربة يتراجعون عن إتمام عمليات الشراء لهذا السبب، وهو ما يضر في النهاية بمداخيل هذه المحلات نفسها.
في المقابل، يلفت مهنيون في قطاع الطيران إلى أن استمرار هذه الوضعية يسيء لصورة المطارات المغربية التي تسعى إلى تعزيز تنافسيتها إقليميا ودوليا. فبينما تتجه مطارات عالمية، مثل دبي وإسطنبول، نحو تسهيل جميع وسائل الأداء واعتماد العملات الوطنية إلى جانب العملات الأجنبية، يجد المغرب نفسه أمام مفارقة تقوض طموحاته في أن يصبح منصة إقليمية رائدة في النقل الجوي.
اللافت أن هذا الملف ظل يراوح مكانه منذ سنوات رغم تدخل بعض البرلمانيين الذين سبق أن وجهوا أسئلة كتابية لوزارة المالية وإدارة الجمارك حول الموضوع دون أن تسفر عن نتائج ملموسة. ويعتبر حقوقيون أن رفض الدرهم داخل فضاءات تجارية تقع في قلب التراب المغربي قد يرقى إلى خرق للقانون، لأن السيادة المالية لا تسقط بمجرد تصنيف منطقة ما كـ”معفاة من الرسوم الجمركية”.
وأمام هذا الوضع، تتصاعد الأصوات المطالبة بتدخل عاجل لبنك المغرب بصفته الجهة الوصية على السياسة النقدية، إلى جانب مجلس المنافسة، من أجل وضع حد لهذه “الازدواجية”، وفرض توحيد وسائل الأداء بما يضمن حق المواطن المغربي في استعمال عملته الوطنية، ويحفظ في الآن ذاته شفافية المعاملات ويعزز الثقة في النظام المالي الوطني.







