هل كان ضروريًّا أن يبحث أخنوش في هاتف زوجته عن مستخدمين متفرغين ليمنحهم حقائب وزارية طالما هرب منها الجميع ما دامت تمسّ حياة وصحة المغاربة؟
لقد اعتقد الملياردير المغرور، والمصاب بحالة مستعصية من الإنكار وتضخم الأنا، أن التحكم في الصحة والتعليم، والركوب على الميزانيات المرصودة لهما، سيساعد حزب الحمامة على كسب ولاية حكومية جديدة، قبل أن ينقلب السحر على الساحر، وتجد الحكومة نفسها أمام حراك شعبي يحاصر مستشفيات عمومية تشبه إسطبلات البهائم.
منذ البداية، وقبل التعديل الحكومي، كان هناك حديث عن تسلل مستخدم سابق لسلوى أخنوش إلى الحكومة، ويتعلق الأمر بالسي التهراوي، الذي تبين اليوم أنه مثل الأطرش في الزفة، لذا شهدنا كيف وقف مثل طفل صغير أمام الحشود الغاضبة التي حاصرته بفضائح الصحة في أكثر من مدينة.
لن نلوم “التهراوي”، فالرجل يبدو اليوم، بوجهه الشاحب، كمن يقول لسائق عربة الحكومة: “حبس، بغيت ننزل”… بعد أن فُرض عليه أن يقوم بجولات اعتقد مخرجوها أنها ستطفئ الغضب، لكنها فقط زادته اشتعالًا، وصارت الحشود تلاحق الوزير وترميه بوحل فضائح الصحة، وتُعري زيف خطاب الحكومة في زمن التغطية الصحية.
أفضل هدية يمكن أن يحصل عليها التهراوي حاليًّا هي إعفاؤه من طرف الملك، ما دام الرجل، وعوض أن يبحث عن حل، صار يُحرض على الاحتجاج… وهي تهمة “جاهزة” عاينا كيف صارت الشرطة تطرق باب عدد من المواطنين والصحفيين للتحقيق معهم بشأنها.
الغضب الشعبي الذي يطوّق مستشفيات المملكة اليوم كان متوقعًا، بعد أن قلبت الحكومة هرم الأولويات، وصرنا نعاين كيف تم الانتهاء، في زمن قياسي، من بناء ملعب للهوكي على الجليد “بزبالة ديال لفلوس”، في وقت ما زال المرضى يُحملون على نعوش الأموات للوصول إلى مراكز صحية إما مغلقة أو تحولت لحظيرة غنم.
بالتأكيد، لن تنفع الهراوات في إطفاء الغضب، لأن صرخة المواطنين اليوم هي سخط كان حبيس الصدور لسنوات، بل ونجزم بأن هذا الحراك كان سينطلق قبل اليوم، لولا أن وزارة الصحة أفلتت من فضيحة وفاة عدد من النزلاء اختناقًا بسبب انقطاع الأوكسجين في مستشفى مولاي يوسف في قلب الرباط، وقبلها وفاة جماعية لأزيد من 20 نزيلًا، بسبب ما قالت الرواية الرسمية إنها مضاعفات ناجمة عن السن والحرارة.
اليوم، تأكد أن وزير الصحة كان يعيش في كوكب آخر، وليس له علم بوجود مرضى يعانون من الجوع، وتنبعث منهم روائح كريهة، ويتعايشون مع القطط والصراصير والجرذان.
لقد فضلت وزارة الصحة، على مدار سنوات، أن تستعين بسيف خشبي لمواجهة غول الفساد المستشري في “سبيطارات” المملكة، واكتفت بتعميم إعلانات تقول “لا للرشوة”.
كما قامت بمصادرة حق المواطن في الاحتجاج، وحاولت تحويل المستشفيات إلى مراكز أمنية.
كما استعانت بالقضاء لملاحقة قناصي الفضائح التي تغرق فيها “سبيطارات الذل”.
اليوم، نفس الوزارة تدعو إلى الإبلاغ عن الاختلالات التي تعشش في مستشفياتنا، عوض أن تتحمل مسؤوليتها في توفير خدمات صحية لائقة، تُجنب المواطن دفع الإتاوات لتفادي مواعيد تقربه من الموت، أو لتجنب الطوابير والحشود التي تتزاحم أمام بوابات حديدية لبنايات كئيبة، يتحول فيها “السيكورتي” إلى “حاكم” يتكلف بفحص الملفات الطبية قبل السماح بولوجها.
الفساد، وتوفير خدمات صحية تـُراعي كرامة المغاربة، لن يُحارب بالملصقات، و”الهدرة الخاوية”، والجولات الاستعراضية، بل بتدابير صارمة وحاسمة تُصالح المواطن أولًا مع المستشفيات، من خلال خدمة تحترم كرامته.
ذلك لأن من يُطبع مع “التسيب” و”العبث” و”التقصير”، يخلق بيئة حاضنة تُشجع على تفريخ جميع أشكال الفساد، من رشوة وابتزاز، في قطاع أصبحت الدولة تتعامل معه كعبء ثقيل، في ذات الوقت الذي تُغدق فيه الامتيازات على لوبي المصحات الخاصة، فعلى من يضحك هذا الوزير…؟
اللافت أن المغاربة جرّبوا الإبلاغ عما يحدث بالمستشفيات من خلال توثيق فضائحها بالصوت والصورة، لكن الوزارة لاحقتهم قضائيًّا، وهو تناقض صارخ من مسؤول اتضح، إلى الآن، أنه عاجز عن التصدي للفساد الكبير الذي يسكن في صفقات الأدوية والتجهيزات التي تلتهم مئات المليارات سنويًّا، لذا جرب مطاردة الفساد الصغير، لكن بوسائل سخيفة وساذجة.
لقد حذرنا مرارًا من أن تفريط الدولة في قطاع التعليم والصحة العموميين ستكون له نتائج كارثية، لكننا اليوم تجاوزنا هذا الوضع إلى مستوى آخر من العبث الخطير، الذي ينطوي على هضم حقوق حتى من هربوا من جحيم المستشفيات العمومية، بحثًا عن العلاج لدى تجار الصحة الخواص في زمن المجموعات الصحية الترابية…
ومن يزرع الريح يحصد العاصفة.







