يعود المغرب من جديد إلى الواجهة الأوروبية بمشروع ضخم يضعه في قلب معادلة الانتقال الطاقي في القارة العجوز. فبعد أن طُويت صفحة مشروع الربط الكهربائي مع بريطانيا إثر انسحاب الحكومة البريطانية من دعمه في يونيو الماضي، يخطط المغرب الآن لخط ربط جديد مع ألمانيا، يوصف بأنه سيكون الأطول في العالم لنقل الكهرباء المتجددة عبر المحيط الأطلسي.
ووفقًا لما نقلته منصة الطاقة المتخصصة (مقرها لندن)، تعمل شركة “إكس لينكس” البريطانية، عبر فرعها الألماني، على تطوير مشروع “سيلا أتلانتيك”، بدعم من شركات كبرى في قطاع الطاقة مثل “إي أون” و”يونيبر”. ويقوم المشروع على مدّ نحو 4800 كيلومتر من خطوط التيار المستمر عالي الجهد تحت سطح البحر، عابرةً المياه الإقليمية لخمسة بلدان أوروبية هي البرتغال وإسبانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا، قبل أن تربط مباشرة بالشبكة الكهربائية الألمانية.
المشروع الذي يُخطط لأن ينقل حوالي 26 تيراواط/ساعة سنويًا من الكهرباء النظيفة من الصحراء المغربية إلى ألمانيا، يعادل نحو 5% من الاستهلاك الألماني الحالي. وتُقدّر سعته الأولية بـ3.6 غيغاواط، مع قابلية التوسع إلى 15 غيغاواط في المستقبل. وهو ما يمنح ألمانيا إمكانية الحصول على طاقة أرخص وأكثر استقرارًا، ويُخفف اعتمادها على الغاز والفحم، كما يتيح وصول الكهرباء الخضراء إلى جنوب البلاد الذي يفتقر إلى بنية تحتية قوية لنقل الطاقة.
وبحسب تفاصيل المشروع، فإن تسجيل العلامة التجارية “سيلا أتلانتيك” في ألمانيا مطلع العام 2025 وحصوله على الموافقة الرسمية في مايو، يُعد خطوة مهمة تُظهر جدية المشروع واستراتيجيته طويلة الأمد. كما أن دخول شركات أوروبية عملاقة على خط دعمه منح المبادرة زخمًا إضافيًا.
لكن على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، يواجه المشروع تحديات ثقيلة. فتكلفته المالية تُقدر بين 30 و40 مليار يورو، وهو ما يتطلب ضمانات ودعمًا حكوميًا واسعًا في ألمانيا، على غرار ما كان مطلوبًا في بريطانيا قبل أن يتعثر مشروع “إكس لينكس”. كما أن الاعتماد على المغرب كمصدر رئيسي للكهرباء يثير تساؤلات سياسية واستراتيجية، خاصة في ظل تعقيدات التنسيق مع خمس دول أوروبية يمر عبر مياهها الخط البحري. أما من الناحية التقنية، فإن تصنيع الكابلات الخاصة عالية الأداء اللازمة ما يزال محدودًا عالميًا، ما دفع الشركة المطورة للتفكير في إقامة وحدات إنتاج داخل المغرب نفسه.
المخطط الزمني بدوره ليس قصير المدى، إذ من المتوقع أن يبدأ التشغيل الأولي بحلول 2034، على أن يبلغ المشروع طاقته الكاملة في أواخر ثلاثينيات القرن الحالي. أي أن المستهلك الألماني العادي لن يلمس فوائده إلا بعد عقد تقريبًا، بينما ستستفيد الصناعة أولًا من الكهرباء الخضراء الرخيصة.
ويأتي هذا الرهان في وقت بالغ الحساسية للطاقة في ألمانيا، حيث تراكمت متأخرات على أكثر من 4 ملايين أسرة سنة 2024، وعجز 6.4% من المستأجرين عن دفع فواتير الكهرباء والغاز في موعدها. لذلك يُنظر إلى المشروع كإمكانية استراتيجية قد تُعيد بعض التوازن إلى السوق، وإن كان المشوار أمامه ما يزال طويلاً ومعقدًا.
وبين التفاؤل الحذر للشركات الألمانية الكبرى، والتحفظ الرسمي من وزارة الاقتصاد الفيدرالية التي تعتبر الحديث عن المشروع سابقًا لأوانه، يبقى المغرب حاضرًا بقوة في طموحات أوروبا الطاقية، في موقع المزوّد المحتمل لأكبر سوق صناعية في القارة بطاقة شمسية وريحية تُنتج على أطراف الصحراء.







