تخيّلوا،.. فقط تخيلوا، لو أن هذا البلد قرّر يومًا أن يجري تجربة بسيطة، لا تحتاج إلى “هيئة للمصالحة” أو مراسيم وزارية، ولا إلى زيارات مراطونية لوزير برتبة “ميكاب أرتيست”.. تجربة لتبديل المقاعد بين من يعيش فوق ومن يعيش تحت. شهران فقط من المقايضة، لا أكثر.
تخيلوا لو جرّب الوزراء والولاة والمديرون العامون والبرلمانيون أن يعيشوا، لا في شعارات “القرب من المواطن”، بل فعلاً، في شقق السكن “الإقتفازي” التي تتسرب منها الروائح والرطوبة، وتضيق فيها الجدران حتى تكاد تخنق الأنفاس. لو ركبوا “الطاكسي بيض” وتحديدًا في المقاعد الخلفية التي تحولت من “كوفر” إلى “مكان جلوس”، أو انتظروا “الطوبيس لمخرشش” ساعة كاملة تحت شمس تلدغ أو مطر يجلد. لو تقاضوا أجورًا “ميكروسكوبية” بالكاد تكفي لإطعام أسرة من فردين، أو عاشوا بطالة مقنّعة في وظيفة لا معنى لها ولا كرامة فيها. شهران فقط، لا أكثر.
في المقابل، تخيلوا لو أن الفقراء هم من يقطنون الأبراج الزجاجية والفيلات الفسيحة، ويستيقظون على منظر البحر، لا على ضجيج “مشاجرات الجيران”، ويكتشفون كيف يكون للحياة طعم آخر حين يُفتح الباب من تلقاء نفسه، ويُقال لك “تفضل نعاماس” حتى لو كنت مخطئًا، ويصفقون لنكاتك السمجة حتى وهي “حامضة ديال بصح”.
تخيلوا لو جربوا المكيفات التي تشتغل صيفًا وشتاءً، وتذوقوا فنجان القهوة الذي سعره أغلى من وجبة عامل بناء. تخيلوا لو جرّبوا مقاعد الجلد الفاخر في سيارات الدولة الممهورة بـ”إم روج”، وأوراق الاجتماعات التي تبدأ بكلمة “عاجل” وتنتهي بلا شيء. ليتهم عاشوا تجربة “من يقرر بدل أن يُقرّر له”، ليفهموا لماذا صار المسؤول لا يسمع، والمحكوم لا يُفهم.
تخيلوا لو جرّبوا شعور توقيع وثيقة تغير مصير مدينة، أو حضور اجتماع يُناقش فيه الغضب الشعبي على شاشة “باور بوينت”، ثم قضاء عطلة الصيف في “سردينيا” عوض قضاء يوم كامل في مفاوضة بائع “السردين” على تخفيض سعره.
ربما حينها فقط سيفهم الجميع لماذا لا يفهم أحد أحدًا. سيفهم الوزير أن غضب شباب “جيل زيد” ليس مؤامرة، بل ضيق عيش وإحساس بالمرارة والحكرة، وتهميش في أحياء تتناقز فيها الفئران و”الطّوبات”، ووسائل نقل عمومية تشبه “برّاكات” دور الصفيح بعجلات مطاطية. كما سيفهم الشاب أيضًا أن السلطة ليست إلهًا، بل “إنسانًا مثلنا”، لكن أصابه العمى من كثرة الضوء الذي يحيط به.
المشكل أن لا أحد يريد أن يبدّل مكانه. من فوق يخاف أن يسقط، ومن تحت يخاف ألا يُسمح له بالصعود مرة أخرى. وهكذا يستمر سوء الفهم بين ضفتين لا جسر بينهما.
تخيلوا وزيرًا ينام على “بونجة رخيصة” يسمع أصوات الجيران في الليل، أو مسؤولة بارزة تتسوق من “سويقة لعيايدة أو ليساسفة” أو لهجاجمة، وهي تحسب الدراهم قبل صندوق الأداء. تخيلوا وزيرًا “مُقنزعًا” في تلك المقاعد الخلفية في “طاكسي بيض”، ثم يكتشف عند الوصول أن لا باب أو فتحة سينزل منها، وأن على راكب آخر أن ينزل أولًا إلى الخارج ثم يُطوى الكرسي لينزل من هم في الخلف “وااا ناري على تعنكيشة”. تخيلوا وزيرًا يقف على القارعة لانتظار “الطوبيس”، وبعد ساعات تأتي الحافلة فيجري باتجاهها مهرولًا، ثم يكتشف أن السائق أغلق الباب في وجهه لأنه “عامر”. تخيلوا كم من القرارات كانت ستتغير في اليوم التالي.
هذا هو الحل، لا أكثر.. تبادل بسيط في المواقع وزوايا النظر. أن يعيش أصحاب القرار حياة الناس قليلًا، وأن يعيش الناس رفاهية القرار قليلًا. عندها فقط سيتكلم المغاربة اللغة نفسها، وسيتوقف هذا البلد عن الصراخ داخل غرفة زجاجية مغلقة، حيث الكل يعتقد أن الآخر لا يسمع، بينما الحقيقة أن أحدًا لا يحاول أن يفهم.
إنها مأساة جميلة بطعم “كوميديا سوداء”.. بلدٌ كامل يتجادل منذ عقود حول من يفهم من، بينما الحل بسيط إلى حد السخرية… فقط بدّلوا الكراسي.
تبادلوا المواقع، يا سادة. ربما حينها فقط، سيتكلم الوطن لغة واحدة.







