في كل مرة أقرأ عن سنغافورة، أشعر أنني أزور المغرب الذي كان يمكن أن يكون… المغرب الذي ضاع بين تضارب المصالح وصمت المؤسسات، وأنانية بعض المسؤولين. هناك، أسس “لي كوان يو” دولة لا تُباع فيها المناصب ولا تُقاس الكفاءة بالولاء. وهنا، يبدو أن مفاتيح القرار والصفقات تُحفظ في الجيب نفسه.
في الوقت الذي كانت فيه سنغافورة، قبل ستين سنة فقط، جزيرة فقيرة تسبح في العتمة والمستنقعات، كان المغرب يعيش نشوة الاستقلال ويعد مواطنيه بالعدالة والكرامة والنهضة.
اليوم، تحولت سنغافورة إلى واحدة من أنظف الدول في العالم، بينما أصبح المغرب من أكثر الدول التي تزداد فيها تقارير الفساد كلما ازدادت الشعارات عن محاربته. أعرف أن المقارنة موجعة، لكن لا مفر منها.
المفارقة ليست في التاريخ، بل في الإرادة. هناك، أناس قرروا أن يُقيموا دولتهم على مبدأ “من يسرق درهمًا يُعاقَب كخائن للوطن”. وهنا، يُسرق الوطن كل يوم، ويُكافأ السارق بمنصب وسائق وامتياز.
لي كوان يو، مؤسس سنغافورة الحديثة، لم يملك النفط ولا الذهب، بل امتلك الجرأة ليقول “لن ننهض ما دام الفساد في المكاتب”.
وفي غضون عقدين فقط، صنع من جزيرته الصغيرة نمرًا آسيويًا بدخل يفوق 70 ألف دولار للفرد. أما في المغرب، فبعد ستة عقود من الوعود والبرامج والاستراتيجيات والمخططات الخماسية والسداسية وسيل من عبارات ” في أفق 2030″ و “في أفق 2045″، ما زال المواطن المغربي يُدفع إلى الشارع كل بضع سنوات ليتذكر أنه لا يعيش سوى على فتات بلد تنهبه قلة بلا خجل.
منذ الاستقلال، أنشأنا مؤسسات لا تُحصى لمحاربة الفساد. المجلس الأعلى للحسابات، الهيئة الوطنية للنزاهة ومحاربة الرشوة، مجلس المنافسة، لجان المراقبة، مفتشيات الوزارات… لكن ما الجدوى من مؤسسات بلا أنياب؟
كلها تُصدر التقارير، وتُعدّ الملفات، ثم تُدفن في الأدراج.
وفق منظمة الشفافية الدولية، يحتل المغرب المرتبة 97 عالميًا بنقطة 38 على 100، أي أنه يرسب بامتياز في امتحان النزاهة.
والبنك الدولي يُقدّر أن الفساد يُهدر ما بين 35 و45 مليار درهم سنويًا من ثروة هذا البلد.
أما المواطن، فله نصيبه من “الشفافية”… فاتورة كهرباء ترتفع، وأسعار محروقات تكوي، وضرائب لا يعرف أين تذهب.
لكن الكارثة الحقيقية ليست في الأرقام، بل في الازدواجية الفاضحة. رئيس الحكومة نفسه، الملياردير الذي يُفترض أنه يقود البلاد نحو الشفافية، يمرّر صفقة ضخمة لتحلية المياه لفائدة شركته الخاصة بملايين الدراهم، في تحدٍّ صارخ لأي مفهوم للنزاهة.
ثم حين تتجرأ هيئة النزاهة على رفع الصوت، يُزاح رئيسها من منصبه، لأن الخط الأحمر ليس الفساد… بل من يتحدث عنه!
أي مفارقة أكبر من أن تُعاقَب الهيئة التي تراقب، ويُكافأ من يخترق القانون؟
أي عبث هذا الذي يجعل رئيس حكومة يدخل في مشادات مع مؤسسات الحكامة، بدل أن يُسندها لتراقب أداء حكومته؟
أي معنى للإصلاح في بلدٍ صار فيه تضارب المصالح ممارسةً يومية مشرعنةً بالقانون والصمت؟
في سنغافورة، يُقال إنهم حاربوا الفساد كمن يحارِب السرطان.
أما في المغرب، فنطعمه ونربّيه، بل هناك من يدافع عنه ويُطبّل له، ويضع المساحيق لتجميله وكأنه إنجاز وطني.
هناك، كان الوزير الذي يتأخر عن اجتماع يُوبَّخ علنًا، والذي يقبل هدية بسيطة يُطرد.
وهنا، الوزير الذي يتورط في “فضيحة” يخرج دون أن يرف له رمش ليؤكد أنه مستمر في منصبه رغم الاحتجاجات المطالبة بإقالته، والذي يُغرق البلاد في الغلاء يُمنح حقيبةً جديدة وابتسامة رسمية.
النتيجة؟ شارع يغلي، وجيل جديد يصرخ “باراكا”.
حركة شباب “جيل زيد” ليست موجة غضب عابرة، بل نتيجة تراكم جيلٍ رأى كل شيء يُنهب أمام عينيه.. الأراضي، المناصب، الصفقات، الثروات… حتى الأمل تمت مصادرته.
هؤلاء الشباب لا يطلبون المستحيل، إنهم يطالبون بشيء بسيط “أن تكون الدولة نزيهة كما تطلب من مواطنيها أن يكونوا مطيعين ومدعنين للقوانين”.
الفساد في المغرب لم يعد مجرد عارض أو طارئ، بل أصبح منظومة شبه متكاملة.
أصبح الفساد يلد الفساد، والمناصب تلد الثروة، والثروة تشتري الصمت، والصمت يصنع استقرارًا مزيفا مهددًا بالانهيار عند أول احتجاج.
في سنغافورة، بنوا الدولة على الخوف من القانون.
وفي المغرب، يبدو أننا بنينا القانون على الخوف من الدولة.
والفرق بين الحالتين هو بالضبط ما يجعل بلدًا يبيع التكنولوجيا للعالم، وبلدًا آخر يستورد حتى القمح ليطعم أبناءه.
في خاطري سنغافورة مغربية… فيها يُحاكم الفاسد قبل الفقير، وتُقدَّر الكفاءة قبل الولاء، ويُعامل المواطن كقيمة لا كرقم انتخابي.
لكن للأسف، ما في الخاطر لا يُبنى بالنيات، بل بالإرادة — والإرادة عندنا آخر ما يُفكَّر فيه.







