محمد وهبي يقود منتخب “أشبال الأطلس” إلى نهائي كأس العالم في تشيلي. قبل عامين فقط، فعلها وليد الركراكي في قطر، حين أوصل أسود الأطلس إلى نصف النهائي. إنجازان مغربيان متتاليان من مدربين تكوّنا في أوروبا، وتشرّبا عقلية الاحتراف هناك، ثم عادا ليكتشفا أن ما يمكن تحقيقه في هذا البلد لا يحتاج إلى معجزات، بل فقط إلى منح الثقة للكفاءات، بعيدا عن ثقافة “باك صاحبي”.
لكن خلف نشوة الفرح، يختبئ سؤال موجع “كيف لوطنٍ يحشد جهوده لاستعادة كفاءاته الكروية من المهجر، أن يعجز عن استعادة علمائه وأطبائه وباحثيه؟ كيف يفتح أبوابه لمن يحقق له مجدًا رياضيًا عابرًا، ويغلقها في وجه من يمكن أن يصنع له نهضة دائمة؟.
في المغرب، يُستقبل المدرب استقبال “القادة الفاتحين”، بينما العالِم الذي يكتشف دواءً أو يسهم في تطوير لقاح لا يتلقى حتى رسالة تنويه.
خذ مثلاً منصف السلاوي، المغربي الذي قاد برنامج تطوير لقاح كوفيد في الولايات المتحدة، وكان بإمكانه أن يقود منظومة البحث العلمي في بلده لو وجد بيئة تحترم الكفاءة. أو رشيد اليزمي، الذي ابتكر بطاريات الليثيوم التي تُشغّل هواتف العالم، ولم يجد في وطنه سوى قاعة محاضرات تُمنح له مرة في السنة “تكريمًا رمزيًا”. أو كمال الودغيري، المهندس في وكالة “ناسا” الذي ساهم في إنزال المركبة “بيرسيفيرانس” على سطح المريخ، بينما جامعات بلده تعجز حتى عن إطلاق قمر صناعي تعليمي بسيط.
وهناك أسماء لا تذكرها الصحف، مثل كوثر حافظي “العالمة الفيزيائية” التي شغلت لسنوات منصب مديرة قسم الفيزياء في مختبر أرغون الوطني بالولايات المتحدة الأمريكية، أو عبد المجيد بنعبد الله، الجراح المغربي في فرنسا الذي ساهم في تطوير تقنيات دقيقة في جراحة القلب، أو إيمان الورزازي الباحثة في علم الأعصاب بجامعة أكسفورد. جميعهم مغاربة…لكنهم مغتربون فكريًا وجغرافيًا.
تقرير البنك الدولي لسنة 2023 كشف أن المغرب من بين أكثر خمس دول إفريقية فقدانًا للأدمغة؛ إذ يعيش أكثر من 600 ألف مغربي من الكفاءات العليا في الخارج، بينهم 32 ألف مهندس، و18 ألف طبيب، وأكثر من 700 أستاذ جامعي. وفي المقابل، لا يتجاوز عدد الباحثين داخل المغرب أربعة لكل عشرة آلاف مواطن، بينما المعدل العالمي يفوق 15.
إنه نزيف وطني لا يحتاج فقط إلى سياسات تشغيل، بل إلى ثورة في التفكير. فالدولة التي تبني الملاعب ولا تبني المختبرات، التي تُغرق الإعلام بأخبار “المنتخب الوطني” وتغفل أخبار الجامعات، والتي تنفق المليارات على تنظيم كأس إفريقيا ولا تصرف عُشرها على البحث العلمي، لا يمكنها أن تحتفظ بعقلٍ واحدٍ فوق ترابها.
نجاح الركراكي ووهبي ليس انتصارًا للدولة، بل مرآة تكشف فشلها؛ لأنهما لم يتكوّنا في مدارسها، ولم يتخرجا من معاهدها، ولم يتلقيا دعمًا من منظومتها. إنهما دليل حيّ على أن المغربي قادر حين يجد منظومة عادلة، وظروفا مواتية، ومؤسسات تحترم الكفاءة.
إن ما فعله وهبي والركراكي يطرح سؤالًا أعمق وأكثر إيلاما، لماذا تنجح “الكرة المغربية” حين تُدار بعقلية أوروبية، بينما تفشل الجامعة والمستشفى والمدرسة لأنها تُدار بعقلية “عّدي يا بنعدّي”.
الجواب ليس في المستطيل الأخضر، بل في عقل الدولة.
فحين قررت السلطة أن كرة القدم واجهتها الأولى، مَنحتها ما لم تمنحه لأي قطاع آخر. تمويلاً سخيًا، ومؤسسات مستقلة نسبيًا، ومسؤولين يُحاسبون على النتائج، وصناديق مفتوحة لتوفير كل شيء. وهكذا تحوّل المنتخب إلى مختبر “نموذجي” يرى فيه المغاربة ما كان يمكن أن يكون عليه الوطن لو كانت الكفاءة هي المعيار.
لكن المشكلة أن هذه “المعجزة الرياضية” ليست سياسة دولة، بل استثناءٌ في “نسق عام” يعتبر “الفرجة” بديلاً عن التنمية.
فالمغربي الذي يفرح بالركراكي ووهبي، هو نفسه الذي ينتظر في طابور المستشفى لأن الطبيب هاجر إلى كندا أو فرنسا، ويرسل أبناءه إلى مدارس خاصة لأن التعليم العمومي فقد كفاءاته.
في هذا البلد، العقول لا تهاجر بحثًا عن المال، بل عن الاحترام.
المغرب بلد يُصفق للأقدام حين تركض، ويصمت للعقول حين ترحل.
بلد يُقدّس المنتخب وينسى “الجامعة” (ليس جامعة لقجع طبعا)،.. يُكرّم الهدّاف ويُهمل العالِم، يحتفي بالمدرب العائد من بلجيكا، ولا يعرف اسم الطبيب المغربي الذي اكتشف علاجًا نادرًا في سويسرا.
صحيح أن الكرة قد ترفع الرأس مؤقتًا، لكنها لا ترفع وطنًا إلى مصاف الأمم.
العقل وحده يفعل ذلك !!







