يعيش ملف الصحراء المغربية لحظة مفصلية، مع تنامي الدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب إلى الأمم المتحدة سنة 2007، والتي باتت تُعتبر في نظر العديد من المراقبين “الحل الواقعي والعملي الوحيد” لإنهاء نزاعٍ إقليمي طال أكثر مما ينبغي. وفي ظلّ تحولات ميدانية ودبلوماسية متسارعة، يتجدد السؤال الذي ظلّ معلقًا منذ سنوات: كيف سيبدو شكل الحكم الذاتي في الصحراء المغربية إذا ما تم تبنيه رسميًا كحلّ نهائي برعاية أممية؟.
من الناحية القانونية والسياسية، لا يقترح المغرب استقلالًا مقنّعًا كما يروّج بعض خصومه، بل صيغة متقدمة من الجهوية السياسية الموسعة تُتيح لسكان الإقليم إدارة شؤونهم المحلية ضمن سيادة المملكة. وفق مضمون المبادرة، سيُنشأ برلمان جهوي منتخب من طرف الصحراويين، تكون له صلاحيات تشريعية في مجالات التعليم، والثقافة، والاقتصاد المحلي، والبيئة، والتعمير، بينما ستنبثق عنه حكومة محلية يرأسها رئيس منتخب، تُشرف على تنفيذ القوانين والبرامج التنموية، وتدير الإدارات الجهوية. كما ستُحدث محاكم محلية تطبّق القوانين الصادرة عن البرلمان الجهوي في نطاق اختصاصاته، على أن تبقى المحاكم العليا والدستورية تابعة للنظام القضائي الوطني.
غير أن هذا التفويض الواسع لا يعني، بحسب فقهاء القانون الدستوري، انتقال السيادة إلى الجهة، إذ تظل الملفات السيادية الكبرى — الدفاع الوطني، الأمن الخارجي، العلاقات الدولية، العملة، والرموز الوطنية — من اختصاص الدولة المركزية. وتؤكد مصادر نيشان، أن “المبادرة المغربية تقترح توزيعًا للعقل الإداري وليس للسيادة، فهي تمنح الصحراويين حرية تدبير شؤونهم اليومية، لكنها تحتفظ للمغرب بحق القرار في القضايا التي تمس وحدة الدولة ومصالحها العليا”. وتضيف المصادر ذاتها أن “هذا النوع من الترتيبات ليس فريدًا، بل ينسجم مع تجارب دولية ناجحة مثل جزر الآزور في البرتغال أو سردينيا في إيطاليا”.
أما في الجانب الاقتصادي، فيُعدّ تدبير الثروات الطبيعية أكثر النقاط حساسية في النقاش. فالمغرب يتمسك بسيادته الكاملة على الموارد الطبيعية الموجودة في الأقاليم الجنوبية، خصوصًا الفوسفاط ومصائد الأسماك والطاقات المتجددة، لكنه يقرّ بأن جزءًا مهمًا من العائدات سيُوجَّه إلى تنمية الإقليم وتمويل ميزانية الحكم الذاتي. ويشير الخبير الاقتصادي “محمد الرهطوط” إلى أن “المنطق الذي يتحكم في المشروع هو تحويل الثروة إلى تنمية، مع ضمان استفادة مباشرة للسكان المحليين، ضمن إطار اقتصادي وطني متكامل”. ويضيف أن “التجارب المقارنة تُظهر أن الحكم الذاتي ينجح اقتصاديًا حين يكون جزءًا من إستراتيجية تنموية شاملة للدولة، وليس ككيان منفصل”.
وإذا تم اعتماد المبادرة أمميًا، فستدخل القضية مرحلة انتقالية دقيقة بإشراف الأمم المتحدة، يُتوقع أن تشمل عودة اللاجئين الصحراويين من مخيمات تندوف، وتنظيم استفتاء محلي للمصادقة على نظام الحكم الذاتي، وتأسيس مؤسسات الإقليم المنتخبة تحت مراقبة أممية. وسيكون على المغرب، وفق السيناريوهات المرجّحة، أن يُكيّف نظامه الدستوري لاستيعاب الوضع الجديد. فدستور 2011 يعترف بمبدأ “الجهوية المتقدمة”، لكنه لا ينص على “جهة ذات نظام خاص”، مما قد يستدعي تعديلًا دستوريًا محدودًا لإضفاء الطابع القانوني على التجربة.
ويرى أستاذ العلاقات الدولية “سعيد أيت كزول” أن “أيّ انتقال إلى نظام حكم ذاتي موسع لن يكتمل دون إصلاح دستوري يُحدّد العلاقة بين مؤسسات الدولة المركزية ومؤسسات الجهة الصحراوية بوضوح، ويضمن توزيعًا متوازنًا للسلطات والموارد”. ويضيف أن “الرهان ليس فقط في تبني الحل دوليًا، بل في قدرته على الصمود داخليًا عبر بناء مؤسسات محلية قوية ونزيهة، تمثل جميع مكونات المجتمع الصحراوي”.
ويذهب محللون آخرون إلى أن نجاح المشروع لن يتوقف على النصوص بقدر ما سيتعلق بمدى استعداد الأطراف للقبول بالحل الوسط. فالحكم الذاتي، في جوهره، صفقة سياسية بين من يطالبون بالاستقلال الكامل ومن يرفضون أي انفصال. تعليقا على ذلك يقول “أيت كزول” أن “المغرب يُراهن على تحويل الصحراء إلى نموذج في الديمقراطية المحلية والتنمية المستدامة، لكن هذا يتطلب شجاعة من جميع الأطراف للانتقال من منطق المواجهة إلى منطق الشراكة”.
من حيث السيناريوهات الممكنة، يرى المراقبون أن تبني الحكم الذاتي في صيغته الحالية هو الاحتمال الأقرب، مع إدخال تعديلات تقنية على الدستور والقوانين التنظيمية ذات الصلة. إلا أن هناك من يتحدث عن احتمال تبلور صيغة أكثر طموحًا، أشبه بالفدرالية الرمزية، تمنح الإقليم صلاحيات مالية واسعة مقابل ضمانات سيادية أوثق. وفي المقابل، لا يُستبعد أن تظل المبادرة في إطارها الحالي دون تعديل، خصوصًا وأنها تحظى بدعم متزايد من قوى دولية مؤثرة كفرنسا، بريطانيا، الولايات المتحدة، اسبانيا، ألمانيا، روسيا وعدد من الدول الإفريقية والعربية.
وكمحصلة، يبدو أن الحكم الذاتي في الصحراء المغربية — إن تم تبنيه رسميًا — سيكون نموذجًا وسطًا بين الاستقلال الكامل والاندماج الإداري التام. هو نظام يمنح الصحراويين إدارة حقيقية لشؤونهم المحلية ضمن وحدة الدولة المغربية، ويمنح المغرب بالمقابل اعترافًا دوليًا نهائيًا بسيادته على الإقليم. ومع أن التحديات القانونية والسياسية والإدارية لا تزال كبيرة، إلا أن الجو العام داخل الأروقة الدولية يُشير إلى أن هذه الصيغة باتت أقرب من أي وقت مضى إلى أن تكون مخرجًا واقعيًا لنزاع استنزف المنطقة لعقود.







