خصص مشروع قانون المالية رقم 50.25 للسنة المالية 2026، الذي قدمته وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي مساء أمس الأحد أمام أنظار الملك محمد السادس خلال المجلس الوزاري، الخطوط الكبرى لميزانية السنة المقبلة، والتي تقوم أساساً على ضبط التوازنات المالية وتشديد المراقبة الجبائية دون تقديم إجراءات جديدة ذات طابع اجتماعي مباشر.
المشروع، الذي أعدّته حكومة عزيز أخنوش، يؤكد استمرار توجهها نحو الانضباط المالي، إذ نصّ على أن جميع الضرائب والرسوم والإعفاءات يجب أن تستند إلى نصوص قانونية صريحة، مع التنصيص على أن أي تجاوز في هذا الإطار يُعدّ فعلاً معاقباً عليه قانوناً. كما أجاز للحكومة خلال سنة 2026 إصدار مراسيم لتعديل أو توقيف الرسوم الجمركية والضرائب على الواردات والصادرات، على أن تُعرض هذه المراسيم لاحقاً على البرلمان للمصادقة، ما يمنحها صلاحية واسعة لتدبير السياسة الجمركية بشكل مباشر.
وتضمّن المشروع تعديلات على مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة، من بينها إدراج استعمال وسائل مراقبة متطورة مثل الطائرات بدون طيار والماسحات الضوئية وكاميرات التتبع، واعتماد منصة إلكترونية لإيداع الوثائق الجمركية ومتابعة عمليات التصريح، في إطار تعزيز الرقابة على حركة السلع ومحاربة التهريب.
كما نص المشروع على فرض رسم جديد بنسبة 12 في المائة على الأخشاب المستوردة المصنفة ضمن الفصل 44 من التعريفة الجمركية، باستثناء بعض الأنواع الخام، وذلك في إطار ما وصفته الوثيقة بحماية الصناعة الوطنية. وفي ما يخص الضريبة الداخلية على الاستهلاك، حدد النص أن تسويق المحروقات والغازات لن يكون مسموحاً إلا عبر مزودين مرخص لهم من طرف الإدارة، مع تحديد فاتح يناير 2028 موعداً لدخول هذه المقتضيات حيز التنفيذ.
وعلى مستوى المدونة العامة للضرائب، تضمّن مشروع قانون المالية تعديلات واسعة تمس الضريبة على الشركات والدخل والقيمة المضافة وواجبات التسجيل. ومن أبرز المقتضيات إعفاء الشركات الرياضية من الضريبة لمدة خمس سنوات ابتداء من أول عملية بيع خاضعة للضريبة، والسماح بخصم الهبات الممنوحة لها في حدود عشرة في المائة من الأرباح الصافية دون تجاوز خمسة ملايين درهم. كما أُلزم الخاضعون للضريبة بمسك محاسبة إلكترونية والتوفر على عنوان إلكتروني رسمي، في حين فُرض على المقاولات التي تطلب فتح مساطر التسوية أو التصفية القضائية التصريح مسبقاً لدى إدارة الضرائب قبل اللجوء إلى القضاء.
كما وسّع المشروع دائرة الحجز في المنبع، إذ أصبحت المؤسسات العمومية والجماعات الترابية ومؤسسات الائتمان والشركات الكبرى التي يفوق رقم معاملاتها خمسين مليون درهم ملزمة باقتطاع الضريبة على القيمة المضافة عند الأداء. أما في ما يتعلق بواجبات التسجيل، فقد نص المشروع على استيفاء رسم بنسبة 0.1 في المائة على العقود والصفقات العمومية المتعلقة بالأشغال أو التوريدات أو الخدمات لفائدة الدولة والجماعات الترابية، مع تشديد العقوبات على المخالفين في التصريحات الجبائية.
ويُظهر المشروع اتجاها واضحا نحو تعزيز المراقبة والتحصيل، مقابل غياب إجراءات ملموسة لمعالجة تأثير الغلاء أو تحسين القدرة الشرائية. كما لم يتضمن النص أي إشارات إلى رفع الأجور أو توسيع الدعم الاجتماعي، ما يجعله – وفقا لمصادر مطلعة – قانون مالية ذا طابع تقني وضبطي أكثر من كونه ميزانية ذات توجه اجتماعي.
في المقابل، يواصل المشروع الرهان على الرقمنة والإصلاح الإداري لتقوية الموارد وتوسيع القاعدة الضريبية، مع الحفاظ على سقف الإنفاق العمومي في حدود متحكم فيها. ويُنتظر أن يثير هذا التوجه نقاشا سياسيا خلال مسطرة المصادقة البرلمانية، خاصة في ظل استمرار الضغط المعيشي وتراجع مؤشرات الثقة لدى فئات واسعة من المواطنين.







