لم يعد الخلاف بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة مجرد إشارات عابرة في الكواليس. فالعلاقة بين الحليفين داخل الأغلبية الحكومية دخلت مرحلة “الطلاق البارد”، في مشهد يعيد رسم التوازنات داخل التحالف الثلاثي الذي بدا قبل ثلاث سنوات متماسكًا، لكنه اليوم يعيش على إيقاع الشكوك المتبادلة والصراعات المكتومة.
ووفق ما كشفته مصادر “نيشان”، فإن العلاقة بين “الحمامة” و“الجرار” وصلت إلى مستوى من الجفاء السياسي لم يعد خافيا حتى على المقرّبين من الدائرتين الحزبيتين. فبعد سلسلة من الخلافات التي تفجّرت على خلفية الاحتجاجات الشبابية الأخيرة، ثمّ ملف الدعم العمومي وتدبير بعض القطاعات الوزارية، بات كلّ طرف ينظر إلى الآخر بعين الحذر، فيما اختفى التنسيق الذي كان يجمعهما في بدايات الولاية الحكومية، ليُستبدل بلغة دبلوماسية باردة تُخفي خلفها معارك مواقع وانتخابات مبكرة.
مصادر من داخل الأغلبية تحدثت عن أن حزب الأصالة والمعاصرة بات مقتنعا بضرورة التمايز السياسي عن رئيس الحكومة عزيز أخنوش، استعدادا لمعركة 2026، خصوصاً بعد أن أصبح يُحمَّل مسؤولية الإخفاقات الاجتماعية للحكومة. لذلك بدأ “البام” في بناء سردية جديدة تقوم على “تصحيح المسار” و“إعادة التوازن داخل الأغلبية”، وهي شعارات تبدو في ظاهرها نقداً ذاتياً، لكنها في العمق تمهيد لمرحلة الانفصال الهادئ عن التجمع الوطني للأحرار.
في المقابل، يرى قادة “الحمامة” أن حليفهم يمارس “ازدواجية سياسية”، فهو يستفيد من موقعه داخل الحكومة، لكنه يوجّه سهام النقد من داخلها لتلميع صورته في الشارع. وأوضحت مصادرنا أن أخنوش لم يُخف انزعاجه من بعض التصريحات الأخيرة لقيادات بامية، خاصة تلك التي صدرت من رئيس الفريق البرلماني أحمد التويزي حول “طحن الورق في خبز المغاربة”، والتي اعتُبرت طعناً مباشرا في القطاعات التي يشرف عليها وزراء الأحرار، في إشارة إلى تقاعس مكتب “أونسا” التابع لوزارة الفلاحة.
وتضيف المعطيات أن اجتماعات التنسيق بين مكونات التحالف باتت نادرة ومتوترة، وأن آخر اجتماع لرؤساء الأحزاب الثلاثة مرّ في أجواء باردة خالية من الثقة. إذ تمّ تجنّب الخوض في الملفات الخلافية، وسط محاولات لاحتواء الغضب عبر خطابات التهدئة، لكنها لم تعد تخفي عمق الشرخ.
وتؤكد المصادر أن علامات “الطلاق السياسي” بدأت فعلاً تظهر في البرلمان، حيث أصبح نواب الأصالة والمعاصرة أكثر ميلاً إلى تبنّي مواقف نقدية في القضايا الاجتماعية والاقتصادية، حتى خلال مناقشة مشاريع القوانين التي تهم القطاعات التي يديرها التجمعيون. وأضاف المصدر أن جلسات التصويت على مشروع قانون المالية المقبل ستكون أول اختبار حقيقي لتماسك الأغلبية، وأنه “ليس مستبعداً رؤية مواقف متباينة داخل البيت الحكومي نفسه”.
من جهة أخرى، تشير مصادرنا إلى أن قيادات “البام” بدأت فعلاً في إعداد سيناريوهات مختلفة للانتخابات المقبلة، بعضها لا يستبعد احتمال قيادة الحزب للحكومة المقبلة إن سمحت نتائج الاقتراع بذلك، وهو ما يفسّر – بحسب المصادر– هذا الحرص على النأي بالنفس عن أخنوش في كل الملفات الحساسة.
أما حزب التجمع الوطني للأحرار، فيحاول تفادي الانجرار إلى مواجهة علنية، إدراكاً منه أن أي تصعيد سيصبّ في مصلحة خصومه داخل وخارج الحكومة.
في المحصلة، يبدو أن “شهر العسل” بين الحزبين قد انتهى فعلياً، وأن التحالف الذي قُدّم سنة 2021 بوصفه نموذجاً في الانسجام، يعيش اليوم مرحلة من البرود السياسي لا تخطئها العين. فالملفات التي كانت تجمع الحلفاء باتت اليوم تفرّقهم، والقرارات التي تُتخذ في رئاسة الحكومة تمرّ بصمت، دون حماس أو التزام جماعي كما في السابق.
وتشير المصادر ذاتها، أن الرهان الأكبر لدى الاحرار، اصبح اليوم هو أن أن تنجح الحكومة في استكمال ولايتها دون أن يتحول “الطلاق البارد” بينهم وبين البام إلى مواجهة علنية تُربك ما تبقى من زمن سياسي قبل انتخابات 2026.







