في مفارقة غريبة، كانت بعض الجامعات تعتمد “نظام التوقيت الميسر” بشكل محدود، دون أي سند قانوني واضح، في ظل القانون 00-01 الذي لم يتضمن أي إشارة إليه .
أما اليوم، وقبل صدور القانون 59.24 الذي يُرتقب أن يؤطر هذا النظام ويقننه، تشهد الجامعات تهافتا جماعيا للمصادقة عليه بهدف تعميم اعتماده.
كيف ذلك ؟
يشهد قطاع التعليم العالي منذ بداية الموسم الجامعي توترا متزايدا، بفعل الجدل الواسع الذي أثاره مشروع القانون رقم 59.24، سواء بسبب مقتضياته المثيرة للجدل، أو بسبب المنهجية الأحادية التي طبعت مراحل إعداده وإحالته على المسطرة التشريعية، في تغييب تام للمقاربة التشاركية.
وقد قوبل المشروع بموجة من الانتقادات والرفض من قبل النقابة الوطنية للتعليم العالي ونقابات الموظفين (CDT وUMT)، باعتباره يتضمن مقتضيات تقوض استقلالية الجامعة، وتضرب مجانية التعليم. وتجلى هذا الرفض في سلسلة من الإضرابات والاحتجاجات التي خاضها الأساتذة الباحثون والموظفون خلال شهري شتنبر وأكتوبر، في مسار احتجاجي مرشح للتصعيد.
ومن بين المواد الأكثر إثارة للجدل، تبرز المادة 81 من مشروع القانون رقم 59.24 التي تنص على اعتماد “نظام التوقيت الميسر” ضمن التكوينات الأساسية لفائدة الموظفين والعاملين في القطاعين العام والخاص، في خطوة تُعد ضربا لمبدأ مجانية التعليم وتكريسا لمنطق الخدمة المؤدى عنها داخل الجامعة.
ما يثير الدهشة في هذه الموضوع هو الإصرار غير المفهوم لرؤساء الجامعات وتهافتهم على إحالة “نظام التوقيت الميسر” على مجالس الجامعات للمصادقة عليه، في وقت لا يزال فيه مشروع القانون رقم 59.24، الذي يُرتقب أن يؤطره ويقننه، يخضع للمسطرة التشريعية. بالإضافة إلى كون الساحة الجامعية تعيش على وقع توتر متصاعد، والنقابة الوطنية للتعليم العالي ومعها نقابات الموظفين ما تزال في خلاف حاد مع الوزارة حول مضامين المشروع.
صحيح أن بعض الجامعات اعتمدت “نظام التوقيت الميسر” في فترات سابقة في إطار استقلاليتها البيداغوجية، غير أن تعميمه وتحويله إلى قاعدة وطنية ملزمة يظل غير سليم في ظل غياب أي سند قانوني صريح، خاصة أن القانون رقم 00-01 المنظم للتعليم العالي، والذي ما يزال المرجع التشريعي الوحيد الساري المفعول، لا يتضمن أي إشارة إلى هذا النظام.
ومن ثم، فإن أي توجه لاعتماده على المستوى الوطني قبل صدور نص قانوني واضح ومتوافق عليه، يظل إجراء غير صحيح وسابقا لأوانه.
إن التهافت على المصادقة على “التوقيت الميسر” قبل التوافق مع الشركاء الاجتماعيين واستكمال المسار التشريعي يعكس ارتباكا في الرؤية ونزعة لتغليب التعليمات على الحوار. فالجامعة المغربية لا تحتاج إلى قرارات فوقية متسرعة، بل إلى إصلاحات مسؤولة تُبنى على التشارك، لأن أي محاولة لفرض نظام غير متوافق عليه ولم يكتمل مساره القانوني لن تؤدي إلا إلى مزيد من الارتباك والتوتر وفقدان الثقة.







