لبس الوالي اليعقوبي جُبّة الفقيه خلال اللقاء التشاوري الذي عُقد بمقر الولاية، وأعطى للحاضرين الدروس كما لو كانوا تلاميذ في “المسيد”.
اليعقوبي الذي لم نرَ فمه يُفتح للتواصل منذ كورونا، بدا وكأنه حضر الاجتماع “بزز”، وكاد يقول للحاضرين “ما تصدعوش ليا راسي”، قبل أن يلبس شخصية غريبة عنه فاجأت الحاضرين، بل وفاجأت اليعقوبي نفسه حين دعا “للإنصات والتشارك مع المواطنين والمواطنات”.
لا تستغربوا، فنحن نتحدث عن اليعقوبي الذي رحل من جهة طنجة الحسيمة بعد أن اشتعلت نار حراك الريف… ليحلّ بالعاصمة الرباط التي بقي فيها كوالي “فوق العادة” في انتظار أن يحقق حلمه بتولي حقيبة الداخلية.
هو ذاته اليعقوبي الذي باشر عملية هدم سلطوية شردت آلاف الأسر بتمارة،
كما أشرف على عملية ترحيل خلفت مآسي بالجملة بعد أن أُجبرت أسر متعددة الأطفال من قاطني الصفيح الذي صنعه أعوان السلطة، على السكن في “الكاراجات” في انتظار أن يتم بناء أقفاص إسمنتية بكل من عين عودة والصخيرات.
لن نعود لملابسات إعفاء العامل السابق لتمارة، والتي لا تختلف كثيراً عن حكاية الإطاحة بالمدير السابق لشركة “الرباط تهيئة”، والمفارقة أن الرجلين معاً تم إنصافهما بمناصب أرفع، علماً أنهما ضحيتان ليد واحدة.
الوالي اليعقوبي الذي دعا للشفافية هو ذاته الذي لم يستمع لساكنة غربية بحي المحيط وهي تحتج في وجه جرافات جاءت لتهدم منازلها وتجبرها على الرحيل بعيداً، إرضاءً لمشروع غامض لم نسمع من الوالي كلمة عنه ولا عن أصحابه.
اليعقوبي اكتفى بأن جعل عمدة من ورق، ومعها رهط من نوابها يتقمصون دور “كاري حنكو” ليأكلوا الثوم نيابة عنه في ندوة تحولت إلى مسرحية رديئة الإخراج.
بعض الحاضرين في اللقاء الذي كان يُفترض أن يكون تشاورياً لم يصدقوا أن من يتحدث عن الشفافية هو الوالي اليعقوبي الذي لبس أيضاً قبعة “الكوتش مونطال” ودعا لمحاربة السلبية بالإيجابية والابتعاد عن الأنانية.
وحتى لا نمرّ على شفافية الوالي بسرعة، كنا نتمنى فقط أن يتحلّى الوالي ببعضٍ منها، وينشر تفاصيل الصفقات بمئات الملايير التي تكفلت بها شركة “الرباط الجهة” التي يرأس مجلسها الإداري، والتي لم نسمع إلى الآن عن أي مهمة رقابية للنبش في علبتها السوداء ما دام الرقم قد تجاوز المليار دولار، وما دام العبث امتدّ لإعادة تهيئة شوارع في حالة جدّ جيدة.
كما كنا نتمنى أن نسمع من الوالي عربون “شفافية” ليفسر كيف أن شركة تبعته من الشمال، واستوطنت في الرباط وصارت تبتلع جميع الصفقات بدعوى الفعالية والسرعة التي صنعت مليارديراً من العدم فقط لأنه “لقا اللي يتهلّى فيه”.
الوالي اليعقوبي قال للحاضرين إن الجيل الجديد هو جيل محاسبة المسؤولين… كما لو كان هو من سيحاسبهم ما دام فوق المحاسبة.
خطاب يؤكد أن العقليات لم تتغير، وأن بعض الولاة والعمال يعتقدون بأن التعيين من طرف الملك يمنحهم حصانة مطلقة تحت غطاء خدام الدولة وسطوة المخزن.
نعم، من حق اليعقوبي أن يقول أكثر من ذلك ما دام قد وجد الكثير من منتخبي الرباط مثل الكراكيز، ولهذا تحدث إليهم بلغة إدريس البصري.
اليعقوبي الذي يتأخر إلى أن يحضر الجميع ليقفوا بعد وصوله في طقس بروتوكولي يدعو للغثيان، هو ذاته من يغلق بابه في وجه المنتخبين، ويعتبر نفسه كبيراً على أن يحضر اجتماع مجلس الرباط كما كان يفعل لفتيت ومهيدية وبيكرات والراحل حسن العمراني.
الوالي الذي يكره أيضاً حضور دورات مجلس الجهة، ويتنفس فيها بصعوبة، وجد في المستشارين والمنتخبين رأساً رطباً خلال اللقاء، لذلك “حسن ليهم بلا ما”، وعوض أن يتحول الاجتماع إلى فرصة للإنصات، قصف الوالي الجميع.
حبّة الكرز في كلام الوالي الذي يستمتع برياضة المشي أمام الحشود قبل الأنشطة الرسمية، هي حديثه عن التبخيس والعدمية…
وهنا سنتوقف قليلاً لنهمس للوالي بأن العدمية الحقيقية أن نعطي الأولوية للحجر على حساب البشر…
الأولوية هي أن نكون في خدمة المواطنين لا أن نتحول إلى سوط يجلدهم.
نعم، من حق اليعقوبي كوالي أن يُظهر “حنّة يده” للملك، لكن ليس على حساب آلاف الفقراء الذين تجتهد الجرافات في طردهم من الرباط وهدم مساكنهم التي آوتهم لعقود.
الوالي اليعقوبي ختم كلامه بأن النية موجودة…
لكن شكون عارف اليعقوبي علاش ناوي…







