عاد الجدل بشأن الجهة المخوّلة بالإشراف على العملية الانتخابية إلى الواجهة من جديد، وهذه المرة عبر دراسة نقدية أنجزها باحثان مغاربة حلّلا مذكرات أحزاب المعارضة حول إصلاح المنظومة الانتخابية استعداداً لاستحقاقات 2026. الدراسة، الصادرة عن المجلة العربية للنشر العلمي، وضعت الإصبع على أحد أكثر الملفات حساسية في الحياة السياسية المغربية، والمتعلق بدور وزارة الداخلية وحدود سلطتها في تدبير الانتخابات، في مقابل تنامي الدعوات إلى إشراف أكثر استقلالية وشفافية.
وتُظهر الدراسة أن مذكرات المعارضة تتقاطع في المطالبة بتحرير العملية الانتخابية من السيطرة الإدارية الكاملة، مع التباين في تصوراتها لطبيعة الجهة المشرفة. فالاتحاد الاشتراكي يقترح تقوية اللجنة الوطنية للانتخابات وإحداث لجان جهوية تابعة لها، تتولى الإشراف الميداني تحت رقابة القضاء، مع الحفاظ على دور وزارة الداخلية في الدعم اللوجستي والتنسيق.
أما حزب التقدم والاشتراكية، فيميل إلى خيار توسيع صلاحيات الجهاز الحالي المشرف على الانتخابات، عبر مأسسة اللجنة الوطنية وتمكينها من استقلالية أكبر في القرار، من دون الذهاب إلى إنشاء هيئة مستقلة بالكامل. ويقترح الحزب، وفق الدراسة، ضمان شفافية أكبر في التسجيل والاقتراع، وربط الإشراف القضائي بمختلف مراحل العملية الانتخابية.
الحزب يدعو أيضا إلى تجاوز الطابع الإداري الأحادي الذي طبع تدبير الانتخابات لعقود، وذلك عبر إخضاع مشاريع التقطيع الانتخابي، وكافة التدابير التنظيمية المرتبطة به، للنقاش المؤسسي داخل اللجنة الوطنية للانتخابات، ومن خلال لجان إقليمية تتولى إشراك مختلف التنظيمات الحزبية في بلورة التصور العام المؤطر للاستحقاقات المقبلة. معتبرا أن هذا المسار لا يعكس فقط توجهًا نحو تعزيز الشفافية والمشاركة، بل يؤشر أيضًا على إرادة لترسيخ المقاربة التشاركية في تدبير الشأن الانتخابي.
في المقابل، تُبرز الدراسة أن فيدرالية اليسار الديمقراطي هي الجهة التي طالبت صراحة بإحداث هيئة وطنية مستقلة للانتخابات، تُحدث بقانون صادر عن البرلمان، وتضم شخصيات وطنية مشهوداً لها بالكفاءة والنزاهة، مع لجان جهوية وإقليمية للسهر على السير العادي للاقتراع. الهدف من هذا المقترح، بحسب تصور الحزب، هو تقليص تدخل الإدارة وتعزيز الثقة العمومية في نزاهة العملية الديمقراطية.
أما حزب العدالة والتنمية، الذي مني بهزيمة قاسية في انتخابات 2021، فيتبنّى موقفاً وسطاً يعتبر أن وزارة الداخلية، بحكم خبرتها التنظيمية، تبقى الأقدر على تدبير العمليات الانتخابية، شريطة أن تخضع لرقابة قضائية صارمة وضمانات شفافة للتتبع والمحاسبة.
وترى الدراسة أن هذا التباين يعكس اختلافاً في الرؤية إلى طبيعة الإصلاح السياسي نفسه، بين من يدعو إلى قطيعة مؤسساتية مع منطق “الوصاية الإدارية”، ومن يفضّل مساراً تدريجياً من داخل المنظومة القائمة. لكنها تسجّل في المقابل إجماعاً على مطلب مركزي يتمثل في تعزيز الشفافية، وتوسيع رقابة القضاء والمجتمع المدني على العملية الانتخابية، وتحسين تدبيرها اللوجستيكي والإعلامي.
وتخلص الدراسة إلى أن النقاش حول الإشراف الانتخابي ليس تقنياً بقدر ما هو سياسي ورمزي، إذ يتصل بسؤال الثقة في الدولة ومصداقية المؤسسات المنتخبة. كما تناولت في خلفية تحليلها باقي مقترحات الأحزاب حول القاسم الانتخابي، والتقطيع الترابي، وتمويل الأحزاب، وتمثيل النساء والشباب ومغاربة الخارج، مؤكدة أن الإصلاح الانتخابي الشامل هو المدخل الحقيقي لاستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.
وحذّرت الدراسة في ختامها من تكرار سيناريو 2021 حين اقتصرت التعديلات على الجوانب التقنية دون معالجة جوهر الأزمة المتمثلة في ضعف المشاركة وفقدان الثقة، داعية إلى أن يكون النقاش حول الجهة المشرفة على الانتخابات خطوة أولى في مراجعة أوسع تمسّ معنى التمثيل وموقع الأحزاب داخل النسق السياسي المغربي.







