بعد ساعات من الجدل الذي أثارته الشكاية الموجهة إلى النيابة العامة، والتي تتحدث عن اتهامات بوجود وساطة مقابل مبالغ مالية لتسريع الحصول على رخصة استبدال سفينة للصيد، توصلت “نيشان” بمعطيات ووثائق جديدة من مصدر مقرب من كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري زكية الدريوش، اعتبر أنها تطرح علامات استفهام كبيرة حول الرواية الواردة في الشكاية، بل وقد تقلبها رأسا على عقب.
وبحسب المصدر ذاته، فإن جوهر الملف لا يتعلق فقط بادعاءات وجود وساطة أو مطالب بمبالغ مالية، وإنما يطرح سؤالا قانونيا أساسيا: “هل كانت الرخصة المطلوبة قابلة أصلا للتسوية أو المنح حتى يكون هناك مجال للحديث عن وساطة أو تدخل؟”.
ويؤكد المصدر أن الجواب يوجد في الوثائق الإدارية نفسها، التي سبق أن نشرت أجزاء منها، والتي تفيد بأن طلب استبدال سفينة الصيد “جابو الله” رقم 8-296 قوبل بالرفض منذ سنوات طويلة، وأن هذا الرفض تم التأكيد عليه في مراسلات رسمية متعاقبة.
وتشير الوثائق إلى أن مصالح الصيد البحري رفضت طلب الاستبدال لأول مرة بتاريخ 21 يناير 2000، ثم أعادت التأكيد على نفس القرار في مراسلات أخرى بتاريخ 7 يونيو 2000 و4 أكتوبر 2000، قبل أن تؤكد من جديد سنة 2020 استمرار سريان قرار الرفض، وأخيرا أعادت وزارة الفلاحة والصيد البحري في مراسلة رسمية مؤرخة في فاتح شتنبر 2022 التأكيد على أن قرار الرفض ما يزال قائما ولم يطرأ أي تغيير على الوضعية القانونية للملف.
ويضيف المصدر أن سبب الرفض لم يكن مرتبطا باعتبارات تقديرية أو إدارية بسيطة، وإنما باستنفاد الآجال القانونية المنصوص عليها في النصوص المنظمة لاستبدال سفن الصيد، والتي تلزم مالك السفينة بتقديم طلبه داخل أجل محدد، تحت طائلة سقوط الحق في الاستفادة من رخصة الاستبدال.
واستنادا إلى الوثائق التي توصلت بها “نيشان”، فإن الإطار القانوني المنظم لهذه الرخص ينص حاليا على أجل أقصاه 18 شهرا بالنسبة للسفن المفقودة أو المحطمة أو المتوقفة عن النشاط، يحتسب وفق الحالات المحددة قانونا، وهو ما تعتبر الإدارة أن الملف المعني لم يحترمه منذ سنوات.
وتعزز هذه القراءة، وفق المصدر ذاته، النصوص القانونية المنظمة لاستبدال سفن الصيد، والتي تحدد آجالا مضبوطة للاستفادة من رخصة الاستبدال، إذ تنص الدورية رقم 6/15 الصادرة في 6 يوليوز 2015، إلى جانب المرسوم رقم 2.20.147 والقانون رقم 59.14، على أن مالك السفينة يفقد حقه في الاستفادة من الرخصة إذا لم يتقدم بطلبه داخل الآجال القانونية المحددة. كما تؤكد هذه المقتضيات أن أجل إيداع طلب استبدال السفينة لا يتجاوز 18 شهرا في الحالات المنصوص عليها قانونا، وهو ما اعتبره المصدر دليلا إضافيا على أن الملف، الذي يعود تاريخ رفضه إلى أكثر من عقدين، كان قد استنفد جميع آثاره القانونية، الأمر الذي يجعل الحديث عن إمكانية “تسريع” الحصول على الرخصة أو التدخل لمنحها يطرح، بحسب تعبيره، أكثر من علامة استفهام.
وأضاف المصدر أن “أبسط مهني في قطاع الصيد البحري يعلم أن ملفات من هذا النوع، بعد صدور قرار الرفض النهائي واستنفاد الآجال القانونية، تصبح غير قابلة للتسوية وفق المساطر العادية”، معتبرا أن هذا المعطى يفرض، في نظره، إعادة قراءة مضمون الشكاية في ضوء الوقائع القانونية والإدارية الثابتة.
وأشار المصدر ذاته إلى أن الملف يثير، من وجهة نظر قانونية، إشكالا آخر لا يقل أهمية، ويتعلق بمدى استيفاء الشروط الأولية لطلب استبدال سفينة الصيد. وأوضح أن القانون يفرض، في حالة احتراق سفينة، إنجاز معاينة رسمية من طرف لجنة مختصة تضم مختلف السلطات والإدارات المعنية، من بينها مصالح الصيد البحري والسلطات المحلية والأمن والجهات المختصة، من أجل تحرير محضر يثبت واقعة الحريق وأسبابه والظروف المحيطة به. وأكد أن هذا المحضر يعد وثيقة أساسية لا يمكن مباشرة مسطرة طلب الاستبدال في غيابها، مضيفا أنه، بحسب المعطيات التي يتوفر عليها، فإن الملف يفتقد لهذه الوثيقة، وهو ما يطرح، في نظره، تساؤلات حول مدى أهلية صاحبه لطلب رخصة الاستبدال منذ البداية.
وفي السياق نفسه، يثير المصدر تساؤلات بشأن توقيت إثارة الملف، خاصة أنه يأتي في مرحلة سياسية دقيقة، إذ لا تفصل سوى أشهر قليلة عن نهاية الولاية الحكومية والاستحقاقات الانتخابية المقبلة، معتبرا أن القضاء وحده يبقى الجهة المخول لها التحقق من صحة ادعاءات جميع الأطراف والكشف عن حقيقة ما جرى.







