على بعد أقل من سنة من إسدال الستار على الولاية الحكومية، يعود ملف التشغيل ليتصدر واجهة النقاش السياسي، لكن هذه المرة من زاوية مساءلة ثقيلة حول مآل خطة الـ15 مليار درهم التي قدمتها الحكومة كجواب استعجالي على تفاقم البطالة، وكرافعة لتحقيق الوعد الانتخابي بإحداث مليون منصب شغل. اليوم، ومع توالي التقارير والأرقام، يتسع الفارق بين الخطاب المعلن والوقع الميداني، ما يضع حصيلة الحكومة بقيادة عزيز أخنوش تحت مجهر تدقيق متصاعد.
الخطة التي رُوّج لها كأكبر ضخ مالي مباشر لإنعاش سوق الشغل، خُصص لها غلاف إضافي قُدّر بـ15 مليار درهم، توزعت بين دعم الاستثمار، والحفاظ على مناصب الشغل بالعالم القروي، وتحسين برامج الإدماج. غير أن معطيات تتبع التنفيذ، وفق مصادر مطلعة، تكشف أن الأثر الفعلي ظل محدودا، سواء بسبب بطء التنزيل، أو بسبب إعادة تدوير الاعتمادات داخل برامج قائمة دون إحداث اختراق نوعي في خلق فرص العمل.
الأرقام الرسمية نفسها لم تُسعف الرواية الحكومية. فمعدلات البطالة، خصوصا في صفوف الشباب الحضري وحاملي الشهادات، واصلت تسجيل مستويات مقلقة، بينما تتضخم فئة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل إلى ملايين الحالات، في مؤشر يختزل عمق الأعطاب البنيوية التي لم تفلح الخطة في تفكيكها. مصادر حزبية متابعة للملف تصف الحصيلة بـ”المتواضعة قياسا بحجم الاعتمادات والانتظارات”، معتبرة أن الحكومة رفعت سقف الوعود دون أن توازيه أدوات تنفيذ ناجعة.
وتذهب هذه المصادر إلى أن جزءا مهما من الخطة اتخذ طابعا محاسباتيا أكثر منه اقتصاديا، عبر تجميع برامج متفرقة تحت غلاف مالي واحد، بدل إطلاق سياسة تشغيل مندمجة ذات أثر مباشر. وتضيف أن برامج مثل “أوراش” و”فرصة”، رغم أهميتها الاجتماعية، لم تتجاوز وظيفة “امتصاص مؤقت للبطالة”، دون أن تخلق مناصب قارة قادرة على تغيير المؤشرات الثقيلة لسوق الشغل.
في المقابل، تحاول مكونات من الأغلبية تقديم قراءة مغايرة، معتبرة أن الحكم على الخطة يجب أن يتم ضمن أفق زمني أطول، بالنظر لارتباطها بإصلاحات مهيكلة تشمل الاستثمار والتكوين والتدرج المهني. غير أن هذا الطرح يواجه بانتقادات حادة من فاعلين سياسيين يرون أن الحكومة نفسها هي من قدّمت الخطة كحل استعجالي سريع الأثر، قبل أن تعود لتبرير محدودية نتائجها بعامل الزمن.
في السياق ذاته، اعتبرت المصادر أن ضخ الاعتمادات، في غياب إصلاحات عميقة لمنظومة التكوين ولسوق الشغل، لا يمكن أن ينتج تحولا نوعيا، مشيرة إلى أن ضعف ملاءمة الشهادات مع حاجيات الاقتصاد، وهشاشة النسيج المقاولاتي، وتعقيدات مناخ الأعمال، عوامل التهمت جزءا مهما من فعالية الخطة، محولة إياها إلى تدخل مالي بلا مردودية كافية.
وفي الخلفية الاجتماعية، تتعمق كلفة البطالة. ملايين الشباب خارج دوائر الإدماج، تصاعد نزعات الهجرة، واتساع فجوة الثقة في البرامج العمومية. معطيات يعتبرها فاعلون سياسيون “مؤشرات إنذار”، خصوصا وأن ملف التشغيل كان في صلب التعاقد الانتخابي الذي قاد الأغلبية إلى الحكومة.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يتحول سؤال التشغيل من ورش حكومي إلى عبء سياسي ثقيل. فخطة الـ15 مليار، التي قُدمت كعنوان للنجاعة الاجتماعية، باتت تُستدعى اليوم كدليل مساءلة، حول ما اذا كانت الحكومة قد أخفقت في تحويل المال العمومي إلى فرص شغل حقيقية، أم أن وعد المليون منصب سيلتحق بباقي الوعود المؤجلة مع نهاية الولاية.







