مع بداية سنة 2026 يدخل المغرب سنة انتخابية بامتياز تعلق عليها الأحزاب السياسية آمالا كبيرة في ضمان مكانة بين الكبار، والفوز برئاسة الحكومة. وفي هذا السياق، يعود ملف الدعم الاجتماعي إلى واجهة النقاش العمومي، ليس فقط باعتباره أحد أبرز الأوراش التي جعلتها حكومة عزيز أخنوش عنواناً سياسياً منذ 2021، بل أيضاً لأنه يشكل الورقة الأهم التي تستعد الأغلبية للدفاع بها أمام الناخبين خلال الاستحقاقات التشريعية المرتقبة صيف هذه السنة.
المعطيات التي قدمها رئيس الحكومة تحت قبة البرلمان نهاية دجنبر الماضي بدت، من حيث الأرقام، ذات وقع ثقيل؛ إذ تحدث عن تحويل ما يقارب 44,6 مليار درهم لفائدة الأسر المستفيدة منذ إطلاق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر في دجنبر 2023 إلى غاية متم شتنبر 2025. كما أشار إلى استفادة نحو أربعة ملايين أسرة، تضم أكثر من 12 مليون شخص، من بينهم ملايين الأطفال وكبار السن.
غير أن تضخيم الأرقام لا يحجب سؤالا مركزيا يفرض نفسه بإلحاح “ماذا تغير فعليا في حياة هذه الأسر؟ وهل نجحت الحكومة في تحويل هذا الورش إلى رافعة حقيقية للخروج من الهشاشة، أم أنه ظل مجرد صمام أمان لاحتواء احتقان اجتماعي فرضته موجة غلاء غير مسبوقة؟.
الحكومة تؤكد أنها اختارت القطع مع منطق دعم المواد نحو دعم مباشر للأسر، بالاستناد إلى السجل الاجتماعي الموحد، وتعتبر أن هذا التحول البنيوي عزز الاستهداف وقلص الهدر.
كما أعلنت عن زيادات في مبالغ الدعم دون الرفع من سعر غاز البوتان، في رسالة سياسية واضحة عشية الاستحقاقات.
لكن في المقابل، يرى “أحمد خشان” الباحث في الاقتصاد السياسي بجامعة القاضي عياض في مراكش أن “التحويلات النقدية، مهما بلغت، لا يمكن أن تعوض تآكل القدرة الشرائية الناتج عن التضخم وركود سوق الشغل”، مضيفا في اتصال هاتفي مع “نيشان” أن “الحكومة تفتخر بحجم الاعتمادات، لكنها لا تقدم تقييما دقيقا لحجم ما فقدته الأسر بسبب ارتفاع الأسعار خلال الفترة نفسها”.
وتابع المتحدث موضحا أن جزءا مهما من أثر الدعم “تم امتصاصه تلقائيا بفعل ارتفاع كلفة الغذاء والطاقة والنقل”، معتبرا أن المقارنة العادلة تقتضي قياس صافي التحسن في الدخل المتاح، لا فقط قيمة التحويلات.
من جهته، شدد “ربيع بن جلول ” الحقوقي والخبير في السياسات الاجتماعية على أن “الدعم المباشر خفف الضغط الاجتماعي، لكنه لم يغير شروط إنتاج الفقر”، مضيفا أن الرهان الحقيقي كان ينبغي أن يوازي بين الدعم النقدي وخلق فرص شغل مستقرة، وهو ما لم يتحقق بالوتيرة المعلنة.
وكان تقرير المرصد الوطني للتنمية البشرية، قد قدم بدوره، صورة أقل احتفالية مما تروج له البلاغات الرسمية. صحيح أن نسبة الرضا بلغت حوالي 87 في المائة، غير أن المؤشر الوطني للرضا الاجتماعي لم يتجاوز 71 نقطة من أصل 100، مع تسجيل ضعف واضح في سهولة الولوج الرقمي، حيث لم تتجاوز نسبة من اعتبروا مسطرة التسجيل سهلة 5 في المائة.
ويرى “بن جلول” في هذا الإطار أن “الحديث عن عدالة الاستهداف يصطدم بواقع فجوة رقمية حقيقية، خاصة في العالم القروي”، مضيفا أن “تحويل الدعم إلى منصة إلكترونية دون مواكبة كافية جعل بعض الفئات تعتمد على وسطاء غير رسميين، وهو ما يطرح إشكالا أخلاقيا ومؤسساتيا”.
من جانبها، تراهن الحكومة على الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي وتوسيع تمثيلياتها الترابية ابتداء من السنة الجارية 2026 لتجاوز هذه الاختلالات. غير أن مصادر مطلعة تعتبر أن هذا التعويل يأتي متأخرا، وأن أقل من سنة واحدة قبل نهاية الولاية ليست كافية لإقناع الرأي العام بأن الأعطاب التقنية والتنظيمية تم تجاوزها بشكل جذري. وتضيف المصادر ذاتها أن “إعادة هيكلة التدبير في السنة الأخيرة من الولاية تعكس أن المنظومة لم تستقر بعد، رغم مرور أزيد من عامين على إطلاق البرنامج”.
في الشق المالي، تعلن الحكومة أن نفقات ورش الحماية الاجتماعية ستبلغ 41 مليار درهم سنة 2026، مع التزام بحصر عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
لكن “أحمد خشان” الباحث في الاقتصاد السياسي يحذر في هذا السياق من أن “الرهان على استدامة هذا الإنفاق يظل رهينا بفرضيات نمو متفائلة”، مضيفا في حديثه لـ “نيشان” أن “أي تباطؤ اقتصادي أو تراجع في الموارد الجبائية سيضع الحكومة المقبلة أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على الدعم وضبط المديونية”.
ويرى المتحدث ذاته أن “التحول إلى خطاب الدولة الاجتماعية يحمل بعدا سياسيا واضحا”، معتبرا أن الحكومة تسعى إلى تثبيت صورة إصلاحية قبيل الانتخابات. لافتا الى أن “الناخب لن يحاكم فقط حجم المبالغ المحولة، بل سيقيس أثرها في معيشه اليومي، من أسعار، وجودة خدمات، وفرص شغل”.
أما في ما يتعلق بتوسيع التغطية الصحية، فقد ارتفع عدد المستفيدين من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض إلى أكثر من 24 مليون شخص، مقابل 8,6 ملايين سنة 2021. غير أن مهنيين في القطاع الصحي يؤكدون أن تعميم التغطية لم يواكبه بالضرورة تحسن مواز في جودة الخدمات، مشيرين إلى أن “الضغط على المستشفيات العمومية تضاعف، في حين ما تزال الموارد البشرية والتجهيزات دون المستوى المطلوب”.
في السياق ذاته، تحاول الأغلبية الحكومية، تقديم حصيلتها الاجتماعية باعتبارها تحولا تاريخيا في النموذج الاجتماعي. لكن المعارضة، ومعها أصوات مستقلة، ترى أن المقاربة ظلت أقرب إلى تدبير ظرفي للأزمات منها إلى إصلاح هيكلي عميق. وفي هذا السياق، يقول “أحمد خشان” إن “الدعم المباشر خطوة مهمة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلا عن سياسات إنتاج الثروة”، مضيفا أن “الدولة الاجتماعية الحقيقية تقوم على توزيع عادل لثمار النمو، لا فقط على إعادة توزيع محدودة في ظل نمو ضعيف”.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، تبدو حكومة أخنوش أمام اختبار مزدوج، إقناع الناخب بأن مليارات الدراهم التي ضُخت أحدثت فرقا ملموسا، وفي الوقت ذاته طمأنة الفاعلين الاقتصاديين بأن الاستدامة المالية ليست مهددة. وبين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن “تحول نوعي” في السياسة الاجتماعية، وأصوات الخبراء التي تدعو إلى تقييم أكثر صرامة للأثر الحقيقي، يبقى الحكم النهائي بيد المواطنين، الذين سيقارنون بين الوعود التي رُفعت في بداية الولاية والواقع الذي يعيشونه اليوم.







