مع إعلان الحكومة تحديد يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026 موعدًا لإجراء انتخابات أعضاء مجلس النواب، بدأت الأحزاب السياسية المغربية الدخول مبكرا في مرحلة إعادة ترتيب صفوفها استعداداً لاستحقاقات يُنظر إليها باعتبارها محطة مفصلية في إعادة تشكيل الخريطة الحزبية. غير أن الطريق إلى قبة البرلمان هذه المرة لن يكون مفتوحًا أمام جميع الوجوه التي اعتادت خوض السباقات الانتخابية، بعدما شكلت القوانين الجديدة وشبكة القرارات القضائية ما يشبه “غربالاً” قانونياً قد يطيح بعشرات الأسماء التي ظلت لسنوات جزءا من المشهد الانتخابي المحلي والوطني.
فالتعديلات التي طالت المنظومة الانتخابية خلال سنتي 2025 و2026 جاءت في سياق رسمي يرفع شعار “تخليق الحياة السياسية”، حيث جرى التشديد على منع كل من صدرت في حقه أحكام قضائية نهائية في جرائم الأموال أو الفساد الإداري من الترشح للانتخابات، بما في ذلك قضايا الرشوة واستغلال النفوذ وتبديد أو اختلاس المال العام. كما وسعت هذه التعديلات دائرة فقدان الأهلية الانتخابية لتشمل المنتخبين الذين صدر في حقهم قرار العزل من مناصبهم الانتدابية بناء على أحكام صادرة عن المحاكم الإدارية بعد تقارير للمفتشية العامة للإدارة الترابية أو المجلس الأعلى للحسابات.
وخلال النصف الثاني من الولاية التشريعية الحالية، عرف المشهد السياسي المغربي سلسلة من القرارات القضائية التي طالت منتخبين في مستويات مختلفة، بعدما أصدرت المحكمة الدستورية والمحاكم الإدارية أحكاماً بتجريد برلمانيين من مقاعدهم وعزل عدد من رؤساء الجماعات الترابية. هذه القرارات، التي استندت في جزء منها إلى تقارير رقابية رسمية، جعلت العديد من الأسماء التي كانت توصف بـ“الأعيان الانتخابية” خارج السباق الانتخابي المقبل، على الأقل وفق الصيغة الحالية للقانون.
وترى مصادر تحدثت لـ “نيشان” أن هذه التطورات القانونية دفعت عدداً من التنظيمات السياسية إلى إعادة تقييم لوائح مرشحيها المحتملين مبكراً، تحسبًا لأي طعون أو قرارات قضائية قد تطيح بالترشيحات في اللحظات الأخيرة، وهو ما حدث في استحقاقات سابقة عندما جرى إسقاط أسماء بعد إعلان النتائج.
وتتوزع أسباب فقدان الأهلية الانتخابية بين عدة حالات قانونية. ففي مقدمتها ملفات تنازع المصالح المنصوص عليها في المادة 64 من القانون التنظيمي للجماعات، حيث سقط عدد من رؤساء الجماعات في وضعيات ربط مصالح خاصة بالجماعات التي يسيرونها، سواء عبر كراء ممتلكات أو تمرير صفقات لفائدة شركات يملكونها أو تعود لأقاربهم. وقد كانت وزارة الداخلية صارمة خلال السنوات الأخيرة في تفعيل هذه المادة، ما أدى إلى عزل منتخبين بشكل نهائي بقرارات قضائية.
إلى جانب ذلك، تواصل غرف جرائم الأموال بمحاكم الاستئناف النظر في ملفات تهم منتخبين وبرلمانيين يواجهون تهماً تتعلق بتبديد أموال عامة أو تزوير محررات رسمية أو تلقي رشاوى، وهي قضايا قد تفضي أحكامها النهائية إلى تجريد المعنيين بالأمر من حق الترشح مستقبلاً. وتقول مصادر مطلعة على هذه الملفات إن عدداً منها يوجد حاليا في مراحل متقدمة من التقاضي، ما قد تكون له تداعيات مباشرة على المشهد الانتخابي مع اقتراب موعد الاقتراع.
ولا تتوقف أسباب الإقصاء عند الجرائم المالية فقط، إذ تشمل أيضاً حالات الإفلاس أو التصفية القضائية للشركات، التي قد تترتب عنها بحكم القانون حالة فقدان الأهلية التجارية والسياسية. وقد سبق أن فقد بعض المنتخبين مقاعدهم خلال السنوات الأخيرة بسبب صدور أحكام قضائية في هذا الإطار، وفق ما تؤكده معطيات صادرة عن قرارات قضائية منشورة.
في المقابل، كشفت بعض القضايا التي عُرضت على القضاء الإداري في السنوات الماضية محاولات بعض المنتخبين الالتفاف على القيود القانونية. ففي إحدى الحالات التي أثارت نقاشاً واسعاً، ألغت المحكمة الإدارية بفاس انتخاب برلماني سابق في انتخابات جماعية جزئية بسبب فقدانه الأهلية الانتخابية بعد قضائه عقوبة حبسية نافذة، رغم حصوله على حكم برد الاعتبار، وهو ما أعاد النقاش حول حدود استعمال هذه الآلية القانونية للعودة إلى العمل السياسي.
أمام هذا الواقع القانوني الأكثر تشددا، تجد الأحزاب السياسية نفسها أمام معادلة صعبة. فالنموذج الذي كان سائداً في العديد من الدوائر الانتخابية، والقائم على الاعتماد على “الأعيان” وماكينات انتخابية قادرة على حشد الأصوات، لم يعد مضمون النتائج في ظل خطر الطعون أو إسقاط الترشيحات لأسباب قانونية.
وفي هذا السياق، تفيد مصادر من داخل عدد من التنظيمات الحزبية بأن لجان التزكيات أصبحت أكثر تشددا في دراسة ملفات المرشحين المحتملين، إذ يجري طلب وثائق تتعلق بالسجل العدلي والوضعية القانونية للمرشح، مع الحرص على تفادي تزكية أسماء تحوم حولها شبهات مالية أو وردت بشأنها ملاحظات في تقارير المجلس الأعلى للحسابات، تحسباً لأي طعن قد يطال اللوائح الانتخابية.
وتأتي هذه التطورات في سياق سياسي أوسع يعرف بدوره تحولات مع اقتراب موعد الانتخابات. فقد شهدت الساحة الحزبية في الأشهر الماضية تحركات لافتة، أبرزها إعلان رئيس الحكومة عزيز أخنوش انسحابه من رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، في خطوة قرأتها مصادر نيشان باعتبارها مؤشراً على بداية إعادة ترتيب داخل المشهد السياسي قبل استحقاقات 2026، خاصة في ظل تراجع شعبية الحكومة وتصاعد الانتقادات المرتبطة بتضارب المصالح وارتفاع الأسعار.
وترى المصادر ذاتها أن تشديد شروط الترشح قد يشكل محاولة لإعادة بناء جزء من الثقة المفقودة بين الناخبين والمؤسسات المنتخبة، خصوصاً في ظل نسب العزوف الانتخابي التي طبعت محطات سابقة. فتنقية اللوائح من الأسماء المتورطة في قضايا فساد قد تُقدَّم باعتبارها خطوة ضرورية لإقناع الناخبين بأن الانتخابات المقبلة قد تفرز نخبة سياسية مختلفة.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه داخل الكواليس الحزبية اليوم لا يتعلق فقط بعدد الأسماء التي قد يمنعها القانون من الترشح، بل أيضاً بالكيفية التي ستتعامل بها الأحزاب مع هذا الواقع الجديد. فبينما تتحدث بعض المصادر الحزبية عن توجه نحو الدفع بوجوه جديدة، ترى مصادر أخرى أن شبكات النفوذ الانتخابي التقليدية قد تحاول الحفاظ على حضورها عبر دعم مرشحين مقربين أو أفراد من العائلة السياسية نفسها.
وفي انتظار اقتراب موعد إيداع لوائح الترشيح، سيظل السؤال مطروحاً داخل الأوساط السياسية “من سينجح في المرور عبر “غربال” انتخابات “2026، ومن سيجد نفسه خارج السباق قبل أن يبدأ.







