لا شك أن الحرب التي تتعرض لها إيران يثير استياء شديدا لدى بكين، فبالنسبة للصين، لا تعد إيران شريكا تجاريا فحسب، بل حليفا جيوسياسيا هاما في المواجهة الكبرى بين الغرب والجنوب العالمي، وباعتبارها عضوا رسميا في مجموعة البريكس ومحورا أساسيا في مبادرة الحزام والطريق، تمثل إيران بالنسبة لبكين المعقل الرئيسي لمقاومة الهيمنة في منطقة لطالما هيمنت عليها واشنطن. فالصين ترى في الحرب القائمة في الخليج العربي، تهديدا لخططها الاقتصادية التي تتطلب استقرارا في قطاع الطاقة.
منذ عام 2016، ارتقت العلاقات بين طهران وبكين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وفقا لرويترز، اشترت الصين، وهي التي تعتبر أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، ما يقرب من 90 في المائة من إجمالي صادرات النفط الإيرانية العام الماضي، وهذا يمثل 1.38 مليون برميل يوميا من النفط الإيراني، من إجمالي 10.27 مليون برميل المستوردة بحرا يوميا، وهذا يعني أن الصين اشترت 13.4 في المائة من إجمالي النفط الخام المستورد بحرا من إيران، إلى جانب الطرق البحرية لنقل النفط الخام ومختلف المواد الكيميائية الأخرى التي يغطيها مشروع الحزام والطريق، توجد أيضا طرق برية، مثل قطار الشحن الذي يربط ييوو وهي مركز رئيسي في مقاطعة تشجيانغ الصينية، بمدينة قم الإيرانية.
يتيح هذا الخط الحديدي إتمام رحلة تستغرق 40 يوما بحرا في 15 يوما فقط، كما يتيح هذا الممر للصين، وكذلك لإيران، تجاوز مضيق ملقا، وهو ممر مائي حيوي يربط المحيط الهندي بالمحيط الهادئ، يعد هذا المضيق، نقطة ضعف الصين لعقود، حيث يمر عبره ما يقارب 80 في المائة من واردات الصين من النفط المنقول بحرا و60 في المائة من إجمالي تجارتها البحرية، مما يجعل بكين عرضة لحصار بحري محتمل من قبل الولايات المتحدة أو حلفائها. وعلى الرغم من وجود الممر البري، يتوقع أن يكون لإغلاق إيران لمضيق هرمز، الذي شل تجارة الغاز والنفط الخام والخدمات اللوجستية في الخليج العربي عموما، أثر سلبي بالغ على الصين.
علاوة على ذلك، لن تتوقف الملاحة في مضيق هرمز تماما، فمع أنها ستتقلص إلى الحد الأدنى، سيسمح للسفن المرتبطة بالصين بالمرور بحرية، لدرجة أن العديد من السفن غيرت معلومات تتبعها في محاولة لعبور المضيق، المؤكد أن إغلاق مضيق هرمز يضر بالصين، بل ويضر بالغرب، وأوروبا على وجه الخصوص. مع ذلك، لا يقتصر التحدي الذي تواجهه الصين على الجوانب اللوجستية أو المتعلقة بالطاقة فحسب، بل هو ذو بعد سياسي عميق، فاتفاقية التعاون الاستراتيجي التي تمتد 25 عاما، والموقعة عام 2021، والتي تنص على استثمارات صينية في إيران بعشرات المليارات من الدولارات في قطاعات رئيسية كالاتصالات والموانئ والسكك الحديدية، تهدد بإلغاء هذه الاستثمارات جراء القصف الصاروخي، وبالتالي، قد تدمر البنية التحتية حتى قبل اكتمالها.
ثمة كذلك مسألة في غاية الأهمية، وهي مسألة التوازن الدقيق للغاية مع ممالك الخليج، ولاسيما السعودية والإمارات. فرغم كونهما خصمين تاريخيين لإيران، أصبحت هذه الدول شركاء اقتصاديين حيويين لبكين، وقد بلغ حجم التجارة الثنائية بين الصين ومجلس التعاون الخليجي وإيران أكثر من 300 مليار دولار في عام 2023، بزيادة قدرها 48 في المائة مقارنة بعام 2019. وقد يؤدي أي دعم صريح من بكين لطهران إلى نفور ممالك الخليج، ودفعها مجددا، وبشكل نهائي، إلى أحضان النظام الأمني الأمريكي، في الوقت الذي تسعى فيه الصين إلى تقويض هيمنته، وانطلاقا من هذا، توسطت الصين في عام 2023 في عملية تطبيع بين السعودية وإيران، بهدف تهدئة المنطقة على حساب الخطط الأمريكية والإسرائيلية التي لها خطط سلام خاصة بها تحت مسمى الاتفاقيات الإبراهيمية.
باختصار، تجد الصين نفسها في موقف حرج، فسياسة عدم التدخل التي تنتهجها لا تزال متشددة في الوقت الراهن، وهي تركز بدلا من ذلك على الدبلوماسية. ومع ذلك، صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مقابلة صحفية، بأن روسيا والصين تقدمان دعمهما، وإن كان أقل وضوحا، وبالنظر إلى الأضرار التي خلفها الهجوم الإيراني المضاد، يمكننا أن نستنتج أنهما تدعمان الإيرانيين أيضا في جهودهم الإستخباراتية.
الصين والحرب على إيران







