كان نبيل لحلو يمشي بعكس السير، نكاية في المسالك الجاهزة، مثل كل الفنّانين الملاعين، وجهه واضح كشتيمة، وفنه حادّ كشفرة حلاقة. لم يكن العصر عصره ولا المكان مكانه. مخرج “نهيق الروح” ينتمي إلى طينة متفردة من المبدعين، يمرون مثل البرق، ويغادرون من الشوارع الخلفية لعصرهم، ولكي يحظوا بالاعتراف، يحتاجون إلى موت مزدوج : موتهم الشخصي وموت العصر الذي عاشوا فيه…
بين السينما والمسرح، شيّد “الحاكم العام لجزيرة الشاكرباكربن”قصره. في كلّ عمل فني، وضع كثيرا من جنونه وعبقريته وحسه الساخر. سواء وراء الكاميرا أو أمامها أو على الخشبة، مخرجا أو مؤلفاً أو ممثلا، الفن عند نبيل لحلو تمرد على المواضعات، وتجريب بلا حدود، واشتباك متواصل مع الخطوط الحمراء.
التمرد والتفرد، والجرأة والذكاء، والسخرية السوداء… خلطة سحرية منحت مخرج “القنفودي” كاريزما قلّ نظيرها، وجعلته نسيج وحده، عزف منفرد في سمفونية صاخبة. المبدعون من عياره نادرون جدا، خصوصا في العالم العربي، بالنظر إلى ميل المجتمعات إلى التقليد والتوافق والقوالب الجاهزة. فنّان لا يهادن الرداءة، ولا يتردد في الجهر بما يفكر فيه، حتى لو أزعج العالم برمته.
في منتصف التسعينيات، كان نبيل لحلو يقدم النسخة الأولى من مسرحيته الجميلة “محاكمة سقراط”، وقد كان من عادته أن ينزل لبهو المسرح، قبل إنطلاق العرض، ليستقبل الجمهور ويسلم على من يعرفهم، رغم أنه يلعب الدور الرئيسي. في ذلك المساء، اقترب منه أحد الفنانين المشهورين، وقال له بين المزاح والعتاب: “ها انت اسي نبيل، لقد اشتريت تذكرة وجئت لمشاهدة عرضك، في حين نحن نرسل لك دائما دعوة لكنك لا تحضر مسرحياتنا أبدا!”… فما كان من مخرج “السقوط” إلا أن ردّ عليه ساخرا: “هل المسرح الذي أقدّمه أنا هو الهراء الذي تقدمه أنت !”
نبيل لحلو “أسطورة مغربية”. مزيج من غانسبورغ وبوكوفسكي… كثيرون يتذكرون مروره في “دوزيم”، أيام الواضح والمرموز، حين كان يتناظر مع بعض السياسيين، وصرخ فجأة في وجوههم بالفرنسية الفصحى: “إيلا كنتو مازالين باغيين تكدبو على المغاربة أنا غادي نمشي بحالي… ورمى الميكروفون على الطاولة ثم غادر. البوز قبل زمن البوز !
بالإضافة إلى الأفلام والمسرحيات، للراحل ريبرتوار كامل من القفشات والمواقف الساخرة. بعضها صحيح، وكثير منها مبالغ فيه، يرويها محبوه ومن يعشقون حسه الساخر، كما يحدث مع كل “الأساطير”.
ذات يوم، سجل مع الإعلامية المتألقة فاطمة الإفريقي حلقة من برنامجها الشهير “المجلة الفنية”، وحين انصرف إلى “المثلث الأحمر”، مقهى الفنانين والكتاب والمخبرين، وقتها، التقى مسرحيا معروفا وقال له: “لقد استضافتني الإفريقي في برنامجها الفني، وسألتني عنك وعما تقدمه من مسرح، ولأنها ستحذف ما قلت، لا بأس أن أخبرك به. لقد قلت لها بالحرف إنك “رجل مزيان”، غير المسرح خاصك تعطيه التيقار، “عندك واحد “الكونغو” زوينة بقا تخطف بها البلايص! ”
كان الراحل كابوس منظمي المهرجانات، وورشات النجارة التي تسمى “ندوات”. صوت حر، يغرد خارج السرب، لا يهادن الرداءة والبيرقراطية والغباء. مرة كنا في اختتام مهرجان المسرح الجامعي بالدار البيضاء، نهاية التسعينيات، القاعة غاصة بالجمهور والفنانين، والتقنيون يصعدون وينزلون، يعدلون الميكروفون ويجربونه، ويضعون اللمسات الأخيرة قبل انطلاق الحفل. مر وقت محترم دون أن يظهر أثر لمقدمي الحفل، كي ينهوا الانتظار الذي طال أكثر من اللازم. فجأة صعد نبيل بخطوات سريعة إلى الخشبة، وقف وراء الميكروفون، وشرع في انتقاد سوء التنظيم، وتبخيس قدر الفنان المغربي، وقدم مرافعة حول تحسين شروط اشتغاله، أمام دهشة الجمهور وصدمة المنظمين… ثم أعاد الكرة في أولى دورات المهرجان الوطني للمسرح بمكناس، في بداية الألفية، حين كان محمد الأشعري وزيرا للثقافة. أتذكر أنه أخذ الكلمة وهاجم الوزارة والمهرجان، ولأن الأشعري شاعر ويعرف مزاج المبدع، فقد صعد إلى المنصة ورد عليه بهدوء: “أنا شخصيا حالف بمولاي ادريس، واخا الناس كاملين يتخاصمو مع السي نبيل لحلو ما عمرني نتخاصم معه”… هكذا ضحك الجمهور، وتبدد الغضب، وهدأت النفوس، وعاد لحلو للمشاركة في المهرجان، كأن شيئا لم يكن.
لسوء الحظ، ليس كل المسؤولين يفهمون حساسية المبدع ومزاجه المتقلب، لذلك وجد نبيل لحلو نفسه مبعدا ومقصيا من المشهد الفني، طوال العقود الأخيرة، وتوترت علاقته مع وزارة الثقافة والمركز السينمائي ومسرح محمد الخامس ومهرجانات المسرح والسينما… ورحل وفي نفسه كثير من حتى !
كان الكاتب الفرنسي جان دورميسون يقول ساخرا إن على المبدع أن ينتبه إلى الوقت الذي يموت فيه، مستشهدا بالشاعر والسينمائي جان كوكتو، الذي توفي ساعات قليلة بعد إيديث بياف (11 أكتوبر 1963)، مما جعل الأضواء كلها تسلط على المغنية التي رحلت في عز عطائها، عن 47 عاما، وأعرضوا عن مبدع عظيم رحل في ال74 من العمر. ومن سخرية القدر أن دورميسون نفسه توفي ساعات قليلة قبل جوني هاليداي (5 ديسمبر 2017) مما جعل الأضواء كلها تسلط على أيقونة الغناء الفرنسي، وتهمل واحدا من أهم الكتاب الفرنسيين. أحيانا، يصعد المشاهير إلى السماء دفعة واحدة !
اللعنة نفسها أصابت نبيل لحلو، الذي توفي ساعات قليلة قبل العملاق عبد الوهاب الدكالي، أشهر فنان في تاريخ المغرب، دون مبالغة. الحقيقة أن صاحب “ليلة القتل” ماكان ليزعجه أن يكون دورميسون وليس هاليداي، كوكتو وليس بياف، لحلو وليس الدكالي، لأنه يعرف أن فنه موجّه إلى النخبة وأن “ما يبقى يؤسّسه الشعراء” !
بعكس السير







