في الوقت الذي يُقبل فيه المغاربة على عيد الأضحى 1447/2026 وسط غلاء فاحش للأضاحي، أصدر رئيس الحكومة عزيز أخنوش مضطرا قرارا استباقيا يوم 18 ماي 2026 يقضي باتخاذ تدابير مؤقتة لتنظيم أسواق بيع الماشية. الهدف المعلن: محاربة الشناقة والمضاربين، وحماية القدرة الشرائية للمواطن، وضمان الشفافية. لكن بعد أربعة أيام فقط، جاء رأي مجلس المنافسة يومه 22 ماي 2026 ليفتح بابا جديدا يعيد رسم معادلة التدخل الحكومي برمتها، ويكشف تناقضا صارخا في سياسة رئيس الحكومة تجاه سوق الماشية.
التناقض الأول: من دعوة الكسابة لإخراج سلعهم إلى حظر الشناقة
لم يكن أخنوش، في تصريحاته السابقة داخل البرلمان، يخفي رفضه التدخل المباشر في آليات السوق، فقد دعا مربي الماشية مرارا إلى الإسراع بعرض مواشيهم، مع تحذير ضمني من إدخالها جماعيا حتى لا تنهار الأثمان. كان الخطاب يركز على وفرة القطيع ومسؤولية الكسابة أمام المواطن، دون أن يلمس أسعارا أو يفرض سقفا. رفض سابقا أي شكل من أشكال التسقيف في الأثمنة، أو التدخل الإداري في أسواق الأغنام، معتبرا أن آليات العرض والطلب كفيلة بتصحيح الوضع، وقد عبر عن ذلك صراحة رئيس حزبه محمد شوكي في لقاء حزبي مؤخرا.
ثم جاء القرار الحكومي فجأة، حصر البيع في الأسواق المرخصة، منع إعادة الشراء داخل السوق بغرض المضاربة، حظر التخزين غير المشروع، إلزام البائعين بالتصريح المسبق، وتشديد العقوبات. خطوة تدخلية واضحة، استندت ظاهريا إلى استشارة مجلس المنافسة. لكن الاستشارة الحقيقية جاءت متأخرة، حيث طلب رأي رسمي من رئيس الحكومة ورد يوم 19 ماي، أي بعد إعلان القرار.
التناقض الثاني: رأي المجلس يذهب أبعد مما أراده أخنوش
ما كان مجرد موافقة شكلية تحول إلى عقدة سياسية حقيقية. نشر مجلس المنافسة رأيه اليوم الجمعة 22 ماي، وهو يجيز التدابير المؤقتة التي اقترحتها الحكومة إلى غاية 3 يونيو 2026. لكنه لم يتوقف عند ذلك، فقظ أكد المجلس أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط فقط بدينامية الطلب الموسمي، بل تغذيه ممارسات مخلة بقواعد المنافسة وهي: إعادة البيع بالمضاربة، التخزين غير المشروع، خلق ندرة مصطنعة. واستنادا إلى المادة 4 من قانون حرية الأسعار والمنافسة، فتح المجلس الباب صراحة أمام تسقيف أسعار بيع الأضاحي بالكيلوغرام إذا رأت الحكومة ذلك ضروريا.
بهذه الطريقة، لم يكتف المجلس بـالموافقة على قرار أخنوش، بل أشار إلى أن التنظيم الإداري وحده قد لا يكفي، وأن الوضع غير عادي يستوجب تدخلا أقوى. هذا بالضبط ما كان رئيس الحكومة يرفضه سابقا أي التدخل المباشر في تحديد الأسعار. فهل تحول أخنوش اليوم إلى تدخلي في السوق مرغما ضد قناعاته وتصرحاته السابقة، أم أن الرأي الاستشاري للمجلس يلقي عليه مسؤولية سياسية جديدة؟
عقدة التسقيف التي يكرهها اخنوش.. فهل سيضطر إلى التراجع عن مبادئه وتطبيق رأي المجلس؟
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بقوة هو هل سيلجأ رئيس الحكومة إلى تسقيف الأسعار كما فتح له المجلس الباب لذلك، أم سيكتفي بالتدابير التنظيمية التي أعلنها ويترك السوق يعاني؟ الإجابة ليست تقنية فحسب، بل سياسية واقتصادية. فعزيز أخنوش، الرجل الذي جاء من عالم الأعمال ويتهم دائما بـالليبرالية الاقتصادية، يجد نفسه اليوم محاصرا بين، ضغط الشارع، حيث أسعار الأضاحي تجاوزت 4500 درهم في المتوسط و هو مماثل لموسم 2024 الذي كان فيه خصاصا كبيرا ، وبين موقف مجلس المنافسة، الذي يعتبر صوتا محايدا ويلزم الحكومة قانونيا باحترام قواعد المنافسة.
أيضا يجد اخنوش نفسه محاصرا أمام صورته السياسية، فأي تراجع عن رفض التدخل الذي كان يتبجح به سابقا، سيضعفه أمام خصومه وأمام الناخبين. وإذا لم يفرض تسقيفا، سيقال إنه اكتفى بـحلول شكلية لم تجد نفعا مع الشناقة الكبار. وإذا طبق رأي المجلس، سيقال إنه اضطر مرغما إلى التنازل عن مبدأ حرية السوق الذي دافع عنه طوال السنوات الماضية.
في الحالتين، ظهرت عقدة جديدة واضحة أمام اخنوش، التناقض بين خطاب السوق الحر الذي يردده دائما هو وحزبه، وبين الواقع الذي يفرض عليه التدخل الإداري المباشر.
مجلس المنافسة لم يكتفِ برأيه المؤقت؛ بل أعلن عن تحقيق شامل في قطاع الماشية واللحوم الحمراء سيصدر بداية 2027. هذا يعني أن الملف لن يغلق بعد العيد، وأن أخنوش سيواجه أسئلة أعمق عن هيكلة القطاع الذي يبقى غير مهيكل وغير شفاف كما قال رئيس المجلس أحمد رحو.
المواطن البسيط لا يهمه التنظير الاقتصادي، بل يريد أضحية بثمن معقول. أما أخنوش فيواجه اليوم اختبارا حقيقيا، هل سيذهب إلى آخر الشوط ويسقف الأسعار، أم سيكتفي بـتنظيم يبقي الأبواب مفتوحة أمام المضاربين؟ الإجابة ستكون في الأيام القليلة المقبلة، وستكشف الكثير عن طبيعة السياسة الاقتصادية لعزيز اخنوش هل هي فعلا ليبرالية.. أم ليبرالية فقط عندما تناسب المصالح؟







