الفرنسيون مشهورون بأنهم أبطال العالم في رياضة “التأفف”، من كل شيء ولأبسط الأسباب. المشاكل الاقتصادية والسياسية تزيد من وتيرة الاحتقان، وتجعل أعصاب الناس مشدودة مثل أسلاك كهرباء، خصوصا مع ارتفاع الأسعار بسبب الحرب في إيران وتداعيات إغلاق مضيق هرمز … هذه الأيام، كل الحنق موجه نحو الشمس، بسبب موجة الحرارة التي تضرب البلاد. الفرنسيون عموما لديهم علاقة غريبة مع الشمس، يقضون السنة وهم يفتشون عنها، وعندما تأتي ينقلبون عليها، ينهالون عليها باللعنات، ويتخذون حذرهم من أشعتها الغادرة. الشمس مجرد ذريعة، في الحقيقة، لأن الشكوى والشتم طبيعة متأصلة لديهم، إحدى تعريفات الفرنسي أنه :un râleur
لكن أكثر ما يزعج خلال السنوات الأخيرة في بلاد “الغاليين” هم المتسولون والمشردون، الذين ارتفع عددهم بشكل لافت. تراهم في الشوارع ومحطات المترو وفي الطرقات، كثير منهم ينامون في العراء، وليسوا بالضرورة مهاجرين. لا يمكن أن تعبر من شارع باريسي دون أن تصادف شخصا يطلب منك شيئا ما: قطعة نقود أو سندويتش أو سيجارة… الأكثر ذكاء يصعدون للمترو ويعرضون شيئا ما مقابل ما يطلبون: لحن مكسر من قيثارة قديمة، أغنية بصوت رديء تزيد من بشاعته حشرجة مكبر الصوت الرخيص، قصائد ركيكة، دليل المطاعم الأكثر شعبية في باريس… يعرفون أن العلاقات بين الناس أخذ وعطاء، Donnant donnant، كما يقول أهل البلاد. حتى وإن كان ما يعطيه بلا أي قيمة، المهم هو المبدأ !
عندما تغرق في دوامة الشغل، تصبح المدينة مجموعة من محطات المترو، تمر تحتها وأنت ذاهب للعمل أو عائد إلى البيت، وتصادف عشرات المشردين والمتسولين، وتتعود عليهم، لأنهم جزء من المشهد، يصبحون غير مرئيين. كثير من الناس يقضون عمرهم في الجري من حفرة لحفرة كي لا يفوتهم القطار، وعندما يصلون يكتشفون أن القطار الحقيقي فاتهم فعلا.
يكفي أن تقرر الخروج من النفق والمشي على الأرض، كي تستعيد الأمكنة فتنتها، تكتشفها أكثر مما تتعرف عليها. وهناك فرق بين أن تتعرف على المكان وأن تكتشفه. الشعور القوي الذي ينتابك وانت ترى المكان أول مرة ليس نفسه الذي تحسه وأنت تعود إليه. الاكتشاف أبُ الدهشة. لا أحد شرح الفرق بين “اكتشاف” المكان و”التعرف عليه” أفضل من الكاتب الراحل خوان غويتيسولو. المبدع المراكشي قال ذات يوم بأسلوبه الساحر إنه لم يعد “يكتشف” ساحة جامع لفنا بل “يتعرف عليها” فقط. عندما اكتشفها للمرة الأولى كتب رائعته “مكبرة”. الجملة في هذا الكتاب تعادل آلاف الصور الملتقطة من كل الجهات، محركها “الاكتشاف”، الذي يستفز الحواس ويفتح كل أبواب الخيال.
عندما تمر موجة الحرارة، تستعيد الشمس “وضعها الاعتباري”، ويعود الناس للتعامل معها باحترام كبير، كأنها حيوان على طريق الانقراض. الكل يخاف أن تفوته رؤيتها، الكل يترقب ظهورها كما يترقب الأطفال هلال العيد. يتابعون النشرات الجوية، ويفتشون عن حالة الطقس في التلفزيون والجرائد والمواقع الافتراضية، وتسمعهم يخبرون بعضهم البعض عن اليوم الموعود الذي ستخرج فيه الشمس، كما لو كانوا يتحدثون عن “ظهور العذراء”.
في اليوم الموعود تبدو ملامحهم اكثر اشراقا. يخرجون الى الساحات والحدائق زرافات ووحدانا، بملابس خفيفة ونظارات شمسية وأمزجة رائقة، بعضهم يدفع عربة أطفال في اتجاه الحدائق والجسور، على ضفاف السين، والكنال سان مارتان…حيث ينظمون نزهات لطيفة، مع وجبات خفيفة ومشروبات منعشة.
من الصعب على شخص يحمل احتياطيا تاريخيا من الشمس، أن يتعود على هذه الطقوس، حتى لو قضى أكثر من نصف عمره هنا. في الأيام المشمسة، حين تمر على “تيراسات” المقاهي، تجد أنها تنقسم تلقائيا إلى قسمين: قسم مشمس يجلس فيه الفرنسيون والأوربيون، وقسم ظليل يجلس فيه العرب والأفارقة.
أعتقد أن السنوات الأولى من عمر الإنسان تكون حاسمة في علاقته مع الطبيعة. نحن القادمون من الضفة الجنوبية، نتخبأ بمجرد ما نرى الشمس، لأننا نخاف من ضرباتها الغادرة… وربما كنا نخشى الضوء، لأننا تعودنا على حياة الكهوف !







