مراكش مدينةٌ مدينةٌ للغرباء، وليس هناك خطأ في الجملة، أَعِدْ قراءتها لتتأكّد. كثير من العظماء الذين ارتبط اسمهم بالعاصمة السياحية، لم يولدوا فيها، بل جاؤوها من مناطق بعيدة، بل بعيدة جدا في بعض الأحيان، مثل الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو الذي تحلّ ذكرى رحيله التاسعة هذا الأسبوع (4 يونيو)، ويجدر بنا ألا ننساه، لأنه كاتب كبير، ويعود له الفضل في تصنيف ساحة “جامع لفنا” تراثا شفهيا إنسانيا عام 2002، وإنقاذها من المسخ والاندثار. وما قيمة مراكش من دون “جامع لفنا”؟
مؤلف “مكبرة” الذي استقر في الحمراء بداية الثمانينيات، أدرك الخطر الذي يتهدد الساحة، بسبب جشع المضاربين العقاريين وفساد المنتخبين، لا ننسى أن عمدة المدينة، ورئيس بلديتها في النظام القديم، هو المرحوم عمر الجازولي، الذي ارتبط اسمه بقضايا فساد كبرى، تخص العقار وتدبير مرافق المدينة، وقد تصدى الكاتب الراحل في بداية الألفية لمشروع “باركينغ” تحت الساحة، ولمركز تجاري أكثر ارتفاعا من بقية البنايات، لو لم يجر إيقافهما لشُوِّهَت معالم الساحة تماما، ولكان مآل كثير من المباني التاريخية في المنطقة مثل مصير مقهى “مطيش”، الذي تعرض للهدم !
لمواجهة مافيا العقار، كثف غويتيسولو من تحركاته ومقالاته في الصحف العالمية، كي يوفر حماية دولية للساحة وتراثها الرمزي. الكاتب أدرك أكثر من أي شخص آخر أن “جامع لفنا” معلمة فريدة من نوعها، بخلاف المآثر السياحية الكبرى في العالم، التي شيدت بإرادة سياسية وقرارات إدارية، فإن الساحة تشكلت تلقائيا عبر القرون من قبل الناس، وتضم تراثا حيّا تتناقله الأجيال، وتحمل “معجزة الكلام الذي يواصل توهجه منذ سنين”، كما كتب في “إيل باييس” و”لوموند ديبلوماتيك” عام 1997، في مقال عبر فيه عن خوفه على مصير هذا الكنز المهدد بالاندثار: “أرتعش أحيانا وأنا أراه معرّضا للزوال ويقفز إلى شفتي سؤال يلخّص كل مخاوفي: إلى متى؟”…
الصدفة وحدها قادت غويتيسولو إلى مراكش قبل أن يصبح حارس الساحة وواحدا من أشهر أبنائها البررة. سنة 1956، فرّ الشيوعي الشاب من نظام فرانكو وأصبح لاجئا سياسيا في فرنسا، مثل كثير من الإسبانيين. في باريس التقى شريكة حياته، الكاتبة الفرنسية مونيك لانج، وبدأ مسيرته الطويلة دفاعا عن القضايا الإنسانية العادلة، حيث انضمّ إلى المثقفين الذين تحلّقوا حول جان-بول سارتر دفاعا عن استقلال الجزائر، وتوطّدت علاقاته مع قادة “جبهة التحرير”.
بعد الاستقلال، سيصبح من المواظبين على زيارة الجرائر، لأنها تذكّره بالجنوب الإسباني، الذي حرمه فرانكو من زيارته. لكن الكاتب، الذي كان قريبا من بوضياف، ويعتبره الأكثر نزاهة بين قادة جبهة التحرير، قطع صلته بالجزائر إثر الانقلاب الذي قاد الهواري بومدين إلى السلطة عام 1965، مثل كثير ممن خاب أملهم في المسار الذي اتجهت إليه الأمور في الجزائر المستقلة.
في تلك المرحلة، جاءته فكرة زيارة المغرب، وكانت وجهته طنجة، حيث أصبح يمضي كل سنة شهرين أو ثلاثة، منذ نهاية الستينيات، وقرر تعلم الدارجة، لكنه لم ينجح لأن الجميع يعرفونه، ويتحدثون معه بالإسبانية أو الفرنسية. هكذا عنت له فكرة الذهاب إلى مدينة لا يعرفه فيها أحد، كي يتاح له الحديث بالدارجة، ووصل بالصدفة إلى مراكش عام 1976، حيث قضى ستة أشهر كاملة، بعد سحرته المدينة، وأصبحت ساحة “جامع لفنا” مدرسته و”الحلايقية” أساتذته، وفي وقت قياسي “ولات عندو دارجة نقية”…
كان غويتيسولو يؤمن بأن إسبانيا والمغرب محكومان بالتفاهم والتكامل، وأن فهم الثقافة الإسبانية لا يكتمل من دون معرفة الثقافة العربية-الإسلامية، لذلك حرص على تعلم العربية وفتش عن جذوره في التربة المغربية.
عام 2015، عندما تسلم جائزة سرفانتيس من ملك إسبانيا أعلن أنه “يتشرّف بإهدائها إلى سكّان مراكش الذين احتضنوه بحنوّهم ومودّتهم ورحّبوا بشيخوخته المتعبَة”…
في فرنسا توجد معلمة اسمها “البانيتون”، ينقل إليها رفات العظماء الذين أسدوا خدمات لا تنسى للبلاد، في النضال والأدب والفن والطب والعلوم، أيّا كانت جنسيتهم الأصلية. لو كانت لدينا مؤسسة مثل “مجمع الخالدين” لاستحق خوان غويتيسولو أن يدخل إليها.
في غياب ذلك، يمكن أن نكرمه بطريقة أخرى: نضيف اسمه إلى قائمة “سبعة رجال”، ونسمي مراكش مدينة “ثمانية رجال”، خصوصا أن اثنين من السبعة (أبو القاسم السهيلي وأبو العباس السبتي) جاءا، مثله، من الأندلس !







