أعادت فاجعة سير أودت بحياة امرأة وأصابت شقيقها بجروح بليغة بمدينة مكناس، إلى واجهة النقاش واقع الخدمات الطبية بالمستشفى الإقليمي محمد الخامس، مسلطة الضوء على الخصاص المسجل في الأطر الطبية المتخصصة وتجهيزات الرعاية الحرجة، خاصة خلال فترات المداومة المسائية والليلية. كما أعادت الواقعة إثارة التساؤلات بشأن الإكراهات التي تواجه المرتفقين، وما يرافقها من ضغوط تدفع عدداً من الأسر إلى اللجوء للقطاع الخاص في ظروف إنسانية صعبة.
وتعود تفاصيل الحادث إلى مساء الخميس ما قبل الماضي، عندما تعرضت عائلة لحادثة سير خطيرة عند مدخل الطريق السيار، حيث جرى نقل المصابين بواسطة سيارة إسعاف، وتحت إشراف عناصر الدرك الملكي، إلى قسم المستعجلات بالمستشفى الإقليمي محمد الخامس بمكناس.
وبحسب المعطيات المتوفرة، واجه مرافقة الضحايا صعوبات في توفير الرعاية التشخيصية اللازمة، بعدما اعتُبرت الحالتان في وضعية حرجة جداً، في ظل غياب طبيب مختص لإجراء الفحص بالأشعة المقطعية (السكانير)، لكون المؤسسة تتوفر على طبيبة واحدة يقتصر عملها على الفترة الصباحية وإلى حدود الرابعة مساء.
وإلى جانب تعذر إجراء الفحص بالأشعة، اصطدمت العائلة بامتلاء مصلحة الإنعاش، التي لا تتجاوز طاقتها الاستيعابية ما بين أربعة وسبعة أسرة، وهو ما حال دون استقبال حالة جديدة.
ووفق المعطيات ذاتها، طُرح على الأسرة توقيع التزام بالخروج ضد النصيحة الطبية (SCAM)، بدل تفعيل مسطرة التوجيه والتحويل نحو المستشفى الجامعي الحسن الثاني بفاس، وهو ما دفعها إلى نقل المصابين نحو القطاع الخاص خشية تدهور وضعيتهما الصحية.
وأمام هذا الوضع، استعانت العائلة بسيارة إسعاف خاصة لنقل المصابين إلى إحدى المصحات الخاصة بمكناس. ورغم خضوع الشقيق لتدخلات جراحية معقدة على مستوى صمام القلب، ترتبت عنها تكاليف علاجية باهظة قُدرت بعشرات الملايين من السنتيمات، فقد فارقت المرأة الحياة متأثرة بمضاعفات إصابتها، بينما لا يزال شقيقها يرقد بقسم العناية المركزة في وضع صحي حرج.
ولم تتوقف تداعيات القضية عند الجانب الصحي، بل امتدت إلى المساطر الإدارية المرتبطة بوفاة الضحية، إذ اضطرت العائلة إلى نقل الجثمان من المصحة الخاصة إلى مستودع الأموات بالمستشفى الإقليمي محمد الخامس قصد إخضاعه للتشريح الطبي ومعاينة الطبيب الشرعي، تمهيداً للحصول على رخصة الدفن. وأثار هذا الإجراء تساؤلات بشأن مدى تفعيل دور المكتب الجماعي لحفظ الصحة ومستودع الأموات التابع له في تدبير مثل هذه الحالات، بما يخفف عن الأسر المكلومة أعباء التنقل والإجراءات الإدارية.
وتعيد هذه الفاجعة إلى الواجهة ملف تدبير الموارد البشرية بقطاع الصحة في العاصمة الإسماعيلية، وسط مطالب بفتح تحقيق لتحديد المسؤوليات المرتبطة بغياب أطباء الاختصاص في التخدير والإنعاش والأشعة خلال الفترات الحرجة.
كما تثير، في السياق ذاته، نقاشاً حول أولويات تدبير الموارد على مستوى جهة فاس-مكناس، في ظل تزامن هذه الاختلالات مع تمرير صفقة للحراسة والأمن تناهز قيمتها ستة ملايير سنتيم، مقابل استمرار تسجيل خصاص في أعوان الأمن الخاص بعدد من المستشفيات والمراكز الصحية بمكناس، بما يستدعي مراجعة آليات الحكامة وترتيب الأولويات بما يضمن الحق في العلاج وجودة الخدمات الصحية.







