تتجه العلاقات المغربية الفرنسية إلى دخول مرحلة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي، مع انطلاق أشغال الاجتماع الحكومي رفيع المستوى بين البلدين بالرباط، في أول زيارة خارجية يقوم بها رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو منذ توليه منصبه، وهي الزيارة التي وصفتها صحيفة “لوموند” الفرنسية بأنها تحمل دلالات سياسية ودبلوماسية كبيرة، وتعكس المكانة التي بات يحتلها المغرب في أولويات السياسة الخارجية لباريس.
ووفق الصحيفة، فإن اختيار المغرب ليكون أول محطة خارجية لرئيس الحكومة الفرنسية لم يكن اعتباطياً، بل يأتي تتويجاً لمسار التقارب الذي بدأ منذ صيف 2024، عقب إعلان فرنسا اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، وهو القرار الذي وضع حداً لأزمة دبلوماسية استمرت نحو ثلاث سنوات، اتسمت بتوترات سياسية وخلافات مرتبطة بقضايا التأشيرات والتعاون الثنائي.
وتكتسي الزيارة طابعاً استثنائياً، ليس فقط لأنها الأولى للوكورنو خارج فرنسا، بل أيضاً بسبب حجم الوفد المرافق له، الذي يضم اثني عشر وزيراً، بينهم وزراء الخارجية والداخلية والاقتصاد والدفاع، في مؤشر واضح على رغبة باريس في الارتقاء بالعلاقات مع الرباط إلى مستوى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.
وأشارت “لوموند” إلى أن الاجتماع الحكومي المشترك، الذي يعيد إحياء تقليد اللقاءات رفيعة المستوى المتوقفة منذ سنة 2019، سيتناول ملفات استراتيجية تشمل التعاون الأمني والدفاعي، والاستثمار، والطاقة، إلى جانب مشاريع كبرى مرشحة لإعادة رسم خريطة التعاون الاقتصادي بين البلدين خلال العقود المقبلة.
ومن أبرز المشاريع المطروحة على طاولة المباحثات، مشروع الربط الكهربائي البحري بين المغرب وفرنسا عبر البحر الأبيض المتوسط، والذي يُنظر إليه كأحد أكبر مشاريع الربط الطاقي بين الضفتين، فضلاً عن مناقشة آفاق التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، وتعزيز الشراكات الصناعية والدفاعية، في وقت يسعى فيه المغرب إلى تنويع شركائه في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية.
وأكدت الصحيفة الفرنسية أن الجانبين يعملان أيضاً على إعداد “معاهدة صداقة وشراكة استراتيجية” غير مسبوقة، يقود إعدادها فريق مشترك من الشخصيات البارزة من البلدين، بهدف إرساء إطار مؤسساتي طويل الأمد يشمل التعاون الاقتصادي، والسياسة الخارجية، والتعليم، والثقافة، والبحث العلمي، والمجتمع المدني. وإذا تم التوقيع عليها، فستكون أول معاهدة من هذا النوع تبرمها فرنسا مع دولة غير أوروبية، وأول اتفاقية استراتيجية من هذا المستوى يوقعها المغرب مع بلد أوروبي.
وترى “لوموند” أن هذه الدينامية الجديدة تمهد أيضاً للزيارة المرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا خلال خريف 2026، وهي الزيارة التي ينتظر أن تشكل محطة مفصلية في ترسيخ التقارب بين البلدين، وإطلاق مرحلة جديدة من المشاريع والاتفاقيات الثنائية، بعد سنوات من الفتور الذي طبع العلاقات بين الرباط وباريس.
وبحسب الصحيفة، فإن التقارب المغربي الفرنسي لم يعد يقتصر على الجانب الدبلوماسي، بل يتجه نحو بناء شراكة استراتيجية بعيدة المدى، تجعل من المغرب أحد أبرز شركاء فرنسا في الضفة الجنوبية للمتوسط، في ظل التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة، وتزايد الرهانات المرتبطة بالطاقة والأمن والاستثمار.







