لا يمكن اختزال مشروع القانون رقم 45.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 08.12 المتعلق بالهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء في مجرد تعديلات تقنية على نص يعود إلى سنة 2013، بل يتعلق الأمر بإعادة صياغة فلسفة اشتغال الهيئة بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي يعرفها القطاع الصحي، وفي مقدمتها ورش تعميم الحماية الاجتماعية، وإحداث المجموعات الصحية الترابية، وإعادة بناء حكامة المنظومة الصحية الوطنية. فالمشروع، الذي صادق عليه مجلس الحكومة وأحيل على البرلمان، يعكس إرادة واضحة في جعل الهيئة شريكا مؤسساتيا في تدبير المنظومة الصحية، بدل اقتصار دورها على تنظيم المهنة وممارسة الاختصاصات التأديبية.
ويبرز أول تحول جوهري من خلال إدماج الهيئة ضمن المنظومة الصحية الجديدة، حيث أصبح القانون ينص صراحة على ارتباط ممارسة المهنة بالمجموعات الصحية الترابية، كما أضاف الاطباء العسكريين ضمن أعضاء الهيئة و وسع اختصاصات الهيئة لتشمل إبداء الرأي الإلزامي في مشاريع ومقترحات القوانين والأنظمة المتعلقة بمزاولة مهنة الطب داخل آجال محددة، مع منحها دورا في تنظيم الحماية الصحية الأساسية والتكميلية لفائدة أعضائها وذوي حقوقهم، إضافة إلى مساهمتها في إعداد برامج التكوين المستمر وتأطيرها، وهو ما يعزز مكانتها كفاعل مؤسساتي في رسم السياسات الصحية وليس مجرد هيئة مهنية.
ومن أبرز المستجدات التي يحملها المشروع اعتماد الوساطة كآلية جديدة لمعالجة الشكايات والنزاعات بين المرضى والأطباء قبل اللجوء إلى القضاء أو المساطر التأديبية، وهو تحول يعكس اتجاها تشريعيا حديثا يقوم على تشجيع الحلول التوافقية والحد من تضخم المنازعات القضائية. غير أن نجاح هذه الآلية سيظل رهينا بوضوح مساطرها وضمان حيادها وشفافيتها، خاصة أن جزءا مهما من تفاصيلها سيحال على النظام الداخلي للهيئة.
كما أعاد المشروع هيكلة أجهزة الهيئة بإحداث مؤسسة جديدة تحمل اسم “ندوة المجالس”، إلى جانب الجمعية العامة للمجالس، في محاولة للفصل بين الاختصاصات المرتبطة بالتخطيط الاستراتيجي وتلك المتعلقة بالمصادقة على الوثائق التنظيمية والتقارير السنوية ومدونة أخلاقيات المهنة والنظام الداخلي. ويبدو أن المشرع يسعى من خلال هذا التقسيم إلى إرساء حكامة أكثر تخصصا، وإن كان ذلك قد يزيد من تعقيد البنية المؤسساتية للهيئة ويستدعي تنسيقا دقيقا بين مختلف أجهزتها.
وفي إطار تقريب خدمات الهيئة من الأطباء، يفتح المشروع الباب أمام إحداث فروع للقرب تابعة للمجالس الجهوية على مستوى العمالات والأقاليم، بما يسمح بتدبير الشؤون الإدارية والمهنية محليا، وهو توجه ينسجم مع فلسفة الجهوية المتقدمة والعدالة المجالية، لكنه يظل رهينا بتوفير الموارد البشرية والمالية الكافية حتى لا يبقى مجرد مقتضى قانوني دون أثر عملي.
ومن المستجدات المهمة أيضا تعزيز الضمانات القانونية للمسؤولين المنتخبين داخل الهيئة، حيث أصبح رئيس المجلس الوطني ورؤساء المجالس الجهوية العاملون بالقطاع العام يستفيدون بقوة القانون من وضعية الإلحاق أو الوضع رهن الإشارة طوال مدة انتدابهم، مع الاحتفاظ بجميع حقوقهم في الأجرة والترقية والتقاعد، وهو مقتضى من شأنه إزالة أحد أبرز العوائق التي كانت تحد من ترشح العديد من الأطباء لتحمل المسؤولية داخل الهيئة.
وعلى مستوى التمثيلية، انتقل المشروع من مجرد التنصيص على احترام تمثيلية الجنسين إلى تخصيص ستة مقاعد للطبيبات داخل المجلس الوطني، موزعة بالتساوي بين القطاعين العام والخاص، بما يمنح المشاركة النسائية بعدا قانونيا أكثر وضوحا ويكرس حضورا مؤسساتيا للمرأة داخل أجهزة الهيئة. كما حافظ المشروع على تمثيلية الأساتذة الباحثين، وأضاف تمثيلية للأطباء المغاربة الممارسين بالخارج، فضلا عن استمرار تمثيل أطباء القوات المسلحة الملكية، وهو ما يعكس توسيعا لقاعدة التمثيل داخل المجلس الوطني.
ولم يغفل المشروع الجانب الانتخابي، إذ شدد شروط الترشح ومنع من استنفد ولايتين انتخابيتين من الترشح مجددا، كما منع إعادة انتخاب الأعضاء الذين سبق عزلهم خلال الولاية الموالية، واعتمد النشر الإلكتروني للوائح المترشحين، وأقر إمكانية المشاركة عن بعد في اجتماعات المجلس الوطني والمجالس الجهوية باستعمال وسائل الاتصال السمعية البصرية، وهو ما يعكس توجها نحو تحديث آليات اشتغال الهيئة ورقمنة تدبيرها.
ومن الجوانب اللافتة كذلك تشديد المشروع قواعد الحكامة والشفافية، من خلال توسيع حالات العزل والتوقيف بالنسبة لأعضاء الأجهزة المنتخبة عند الإخلال بالمهام أو الغياب المتكرر أو إفشاء السر المهني، مع ضمان حق الدفاع والطعن أمام القضاء الإداري، بما يعزز ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل أجهزة الهيئة. كما استحدث المشروع لجانا جديدة، من بينها لجنة الشؤون الاجتماعية ولجنة السياسة الوقائية، بما يعكس توسيع مجالات تدخل الهيئة لتشمل قضايا تتجاوز الجانب التأديبي التقليدي.
وفي المقابل، أثار المشروع نقاشا حول بعض المقتضيات الجديدة، من بينها التنصيص على توقيف الطبيب عن مزاولة المهنة عند عدم أداء واجب الاشتراك السنوي داخل الآجال القانونية، مع إشعار الجهة المكلفة بتقنين التأمين الإجباري الأساسي عن المرض لتعليق العمل برقمه الاستدلالي الوطني إلى حين تسوية وضعيته، وهو إجراء يهدف إلى ضمان الانضباط المالي داخل الهيئة، لكنه قد يثير نقاشا حول مدى تناسبه مع مبدأ حرية ممارسة المهنة.
وفي المجمل، يقدم مشروع القانون 45.26 تصورا جديدا للهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء باعتبارها مؤسسة للحكامة الصحية، لا مجرد هيئة مهنية ذات اختصاص تأديبي. فهو يعزز أدوارها الاستشارية والتنظيمية، ويطور بنيتها المؤسساتية، ويوسع اختصاصاتها، ويربطها بشكل أوثق بالإصلاح الشامل للمنظومة الصحية. غير أن نجاح هذا الورش لن يتوقف على جودة النص القانوني وحده، بل سيظل رهينا بالنصوص التطبيقية، وبكيفية تنزيل مقتضياته على أرض الواقع، وبقدرة الهيئة على الحفاظ على استقلاليتها المهنية، وهي تمارس في الآن ذاته أدوارا متزايدة داخل منظومة صحية تعرف تحولات غير مسبوقة.







