ما زالت تداعيات الخروج الإعلامي الأخير لرئيس الحكومة عزيز أخنوش تتفاعل على أكثر من صعيد، في وقت كان يُنتظر أن يشكل ظهوره على الشاشتين العموميتين مناسبة لطمأنة الرأي العام وإقناع المواطنين بجدوى الحصيلة الحكومية. لكنّ التوقعات اصطدمت بخطاب تقني وأرقام جافة، فتح الباب واسعًا أمام انتقادات المعارضة وقراءات المحللين السياسيين، التي أجمعت على أن اللحظة لم ترقَ إلى مستوى انتظارات الشارع.
الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، نبيل بنعبدالله، لم يتردد في وصف مرور أخنوش الإعلامي بـ”المخيّب”، معتبرًا أن ما عرضه رئيس الحكومة من “إنجازات” لا يعكس واقع الحياة اليومية للمغاربة. وأضاف بنعبدالله أن الحكومة بدت منشغلة بتسويق صورة مثالية أكثر من انشغالها بإيجاد حلول ملموسة لمشاكل الغلاء والقدرة الشرائية، مشددًا على أن التواصل مع المواطنين يفقد قيمته عندما يتحول إلى بروباغندا سياسية.
أما إدريس الأزمي الإدريسي، القيادي في العدالة والتنمية، فقد اختار لغة أشدّ حدة، إذ اتهم رئيس الحكومة بـ”الهروب إلى الأمام” من فضائح وتضارب مصالح تحيط بملف تحلية مياه البحر وصفقة الفيول واستيراد الأغنام، مؤكداً أن ما جرى هو “استخدام للسلطة لخدمة مصالح حزبية ضيقة”. ووصل به الأمر إلى القول إن أخنوش قدّم “خدمات جليلة لشركاته” وهو في موقع المسؤولية، مستفيداً من نفوذ يضعه في موقع الخصم والحكم في الوقت ذاته.
من جانبه، لم يتردد سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق، في كشف ما سماه “كواليس القاسم الانتخابي” وتفنيد تصريحات خلفه، مشدداً على أن أخنوش “ينكر إنجازات الحكومات السابقة، وينسب لنفسه إصلاحات لم يبدأها”. ورأى أن الحوار الإعلامي الأخير لم يكن سوى محاولة لتبرير الإخفاقات عبر إلقاء اللوم على من سبق.
تعليقًا على ذلك، يرى المحلل السياسي محمد أيت حدو، أن أخنوش تعامل مع الخروج الإعلامي وكأنه “تقديم لتقرير محاسباتي” أكثر منه حوارًا سياسيًا، موضحًا أن رئيس الحكومة غلّب لغة الأرقام على لغة السياسة.
وأضاف المتحدث ذاته في اتصال مع نيشان، أن هذه المقاربة عززت الانطباع بغياب الحس القيادي في مخاطبة الرأي العام، معتبرًا أن المغاربة كانوا ينتظرون خطابًا سياسيًا واضحًا يلامس معاناتهم اليومية، لا عرضًا بيروقراطيًا يغرق في المؤشرات. وتابع أيت حدو “أن لغة الجسد لدى أخنوش، من خلال النظرات المتفرقة ورفع الرأس الى السقف، والانفعال المحدود، زادت من شعور المواطنين بعدم الصراحة والانفتاح في الحوار.”
من جانبه، اعتبرت نجيبة حمان المذكوري، الأستاذ الباحثة في العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، أن لحظة الظهور الإعلامي جاءت في سياق ضاغط، ولم تكن مبادرة تواصلية مدروسة بقدر ما كانت استجابة لإكراهات متزايدة.
وأوضحت “المذكوري” لـنيشان أن “توقيت الخروج لم يكن اختيارًا حرًّا، بل نتيجة ضغط اجتماعي بفعل موجة الغلاء، وضغط سياسي من معارضة تبحث عن مكاسب في الشارع، ما جعل إطلالة رئيس الحكومة تبدو اضطرارية أكثر منها موجهة برؤية استراتيجية”. وأضافت أن “صورة الرجل السياسي وهو يخاطب المواطنين تظل أهم من مضمون الخطاب نفسه”، مشيرة إلى أن المغاربة كانوا يتطلعون إلى خطاب صريح يعبّر عن إدراك الحكومة لأوضاعهم، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام رئيس حكومة يتحدث بلغة المقاول والمستثمر “الملياردير” أكثر من لغة الفاعل السياسي، وهو ما قد يوسع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع”.
وإلى جانب الانتقادات الحزبية والقراءات الأكاديمية، برزت أيضًا تساؤلات لدى متابعين حول الأسلوب الإعلامي الذي اعتمده أخنوش، إذ بدت المقابلة وكأنها محضّرة بعناية مسبقة، بعيدًا عن أي نقاش مفتوح أو مساءلة حقيقية. وهو ما جعل العديد من التعليقات تعتبر أن رئيس الحكومة ضيّع فرصة ثمينة لإعادة بناء الثقة عبر تواصل مباشر وشفاف. ولعل أكثر ما أضفى على هذه اللحظة طابعًا “مقاولاتيا” هو وضوح دفاعه عن المشاريع الاستثمارية الكبرى، من محطة تحلية مياه البحر إلى زراعة الأفوكا رغم استنزاف المياه، ما يعكس بوضوح عقلية الملياردير والمستثمر الذي يقدّم أولوية للأرقام والعوائد على لغة السياسة والمواطن العادي.
وتكاد تجمّع مختلف الآراء على أن الخروج الإعلامي الأخير لم يتحول إلى ورقة رابحة، بل كشف عن أعطاب عميقة في مقاربة الحكومة للتواصل مع الرأي العام. فبين خطاب تقني منغلق على الأرقام، ومعارضة تلتقط كل ثغرة لتعزيز موقعها، وأصوات أكاديمية تحذر من اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، يجد رئيس الحكومة نفسه أمام تحدٍّ سياسي ـ تواصلي لا يقل صعوبة عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد.
وبالمقارنة مع تجارب سابقة، يبدو الفارق في لغة التواصل جليًا. فعلى الرغم من أنّ عبد الإله بنكيران كثيرًا ما وُصف بخطابه الشعبوي، إلا أنه كان يمتلك قدرة على مخاطبة الرأي العام بلغة بسيطة ومباشرة يفهمها المواطن العادي، وهو ما منحه قدرة على شحن المشهد السياسي بنقاشات حقيقية. أما سعد الدين العثماني، وبرغم تحفظ أسلوبه، فقد كان حريصًا على إبراز جانب تشاركي في تواصله، حتى لو لم يخلُ من البرود والارتباك.
في المقابل، قدّم أخنوش نموذجًا مختلفًا، إذ ظهر بملامح المقاول والمستثمر أكثر من ملامح رجل الدولة، مسنودًا إلى لغة الأرقام والبرامج، دون أن يتمكن من ترجمة تلك المؤشرات إلى خطاب يلامس انتظارات الشارع.







