تأكيدًا لما سبق وانفردت به نيشان مطلع الشهر الجاري بخصوص استعداد حزب التجمع الوطني للأحرار لإنزال تنظيمي “ثقيل” يقوده عزيز أخنوش في الحوز، كشفت مصادر مطلعة أن رئيس الحكومة ورئيس حزب “الحمامة” لم يترك شيئًا للصدفة، بل أشرف فريقه التواصلي على أدق التفاصيل منذ أسابيع، في محاولة لنسج صورة زعيم سياسي يتحرك بثقة وسط قواعده، ويظهر بمظهر “القريب من الناس” في منطقة ما تزال جراحها مفتوحة بفعل زلزال 2023.
المصادر أفادت أن الترتيبات لم تقتصر على الجانب اللوجستي المعتاد، بل تحولت إلى عملية أشبه بحملة مصغرة، استُخدم فيها مزيج من تقنيات التواصل السياسي والتسويق الإعلامي، حيث تم استقدام فرق تصوير محترفة ومخرجين متخصصين في “صناعة الصورة” لضمان إخراج مشاهد محسوبة بدقة، أظهرت أخنوش وهو يحتسي الشاي إلى جانب سكان بسطاء في جلسات عفوية بدت أقرب إلى الاستعراض منها إلى العفوية، بينما تولت لجان حزبية محلية مهمة تعبئة الحضور وضمان مشهد “الحشد المنظم”.
وأضافت المصادر أن الفريق اعتمد تقنيات معروفة في الاتصال السياسي، من بينها ما يُعرف بـ”Staged Authenticity” أو الأصالة المسرحية، التي تقوم على إعداد لقطات تبدو طبيعية لكنها مصممة مسبقًا، وتقنية “Populist Imagery” أو الصور الشعبوية التي تُبرز الزعيم وسط مواطنين بسطاء لإضفاء طابع القرب، فضلاً عن ما يُسمى في الحملات الغربية بـ”Kitchen Table Politics”، حيث يُجلس السياسي في أجواء عائلية بسيطة أو حول طاولة تقليدية كرمز للتواضع ومشاركة هموم الناس اليومية. هذه الأساليب، التي تكررت مع قادة دوليين مثل باراك أوباما وإيمانويل ماكرون، تهدف إلى “أنسنة” صورة السياسي وإظهاره كجزء من القاعدة الشعبية، حتى وإن كان المشهد معدًا بعناية خلف الكواليس.

وبحسب معطيات حصلت عليها نيشان، جرى تقسيم مهام الفريق إلى ثلاث دوائر. الأولى ميدانية، تولت استقدام مشاركين من مختلف أقاليم جهة مراكش آسفي، مع توفير وسائل النقل وتعويضات رمزية لبعض الفاعلين المحليين لضمان الحضور؛ والثانية سياسية، أعدت ملفات ومنشورات تلخص ما يسميه الحزب “مسار الإنجازات”؛ فيما تكفلت الثالثة بالشق الإعلامي، عبر انتقاء صور وتصريحات وتصميم سردية موحدة للقاء، بهدف تحويله إلى مادة دعائية مضادة للاحتجاجات التي تشهدها المنطقة منذ شهور.
المصادر ذاتها أضافت أن التركيز الأكبر كان على الجانب البصري، كيف سيجلس أخنوش؟ من سيكون بجانبه؟ أي لحظات ستُلتقط بالكاميرا؟ وكيف سيتم نشرها على نطاق واسع عبر صفحات الحزب الرسمية ووسائل الإعلام المقربة؟ كما تم الاتفاق على الترويج للصورة عبر تدوينات ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تركز على “تواضع أخنوش”، مع استعمال عبارات من قبيل، “أخنوش يصل الرحم”، “أخنوش يتفقد الأحوال”، “أخنوش ينصت لهموم الساكنة”.

في السياق ذاته، وصفت مصادر نيشان المشهد بأنه “مسرحية تواصلية” أكثر منه لقاءً سياسيًا، خصوصًا وأن قضايا الإعمار المتعثرة والاحتجاجات الاجتماعية في الحوز طُويت جانبًا لصالح خطاب عام عن الصحة والتعليم ومشاريع البنية التحتية.
وأكدت المصادر أن الرهان الأساسي للفريق التواصلي كان واضحًا، صناعة “مشهدية رمزية” تعيد تقديم أخنوش كزعيم قوي ومتماسك، قادر على قيادة حزبه نحو انتخابات 2026 رغم الانتقادات المتصاعدة لأداء حكومته. وهو ما يفسر “الإنزال الثقيل” الذي جرى التحضير له كما لو كان محطة انتخابية مبكرة، أكثر منه منتدى جهويا عاديا.







