رفعت حركة “GenZ212” التي تقود احتجاجات متواصلة منذ ما يزيد عن ثلاثة عشر يومًا في عدد من المدن المغربية، ملفاً مطلبيًا جديدًا وُصف بأنه الأكثر تفصيلاً وشمولاً منذ انطلاق موجة الغضب الشبابي، حمل عنوان “من أجل تفعيل العقد الدستوري وتحقيق طموح للنموذج التنموي الجديد”.
الوثيقة، التي تتداولها مجموعات الحركة وصفحاتها الرقمية ومنصة “ديسكورد”، تمثل وفق مقدمتها محاولة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، واستعادة روح دستور 2011، عبر بلورة رؤية بديلة للإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي، بعيدة عن الشعارات والمقاربات الظرفية.
وأكدت الحركة في ديباجة الملف أن تحركها ليس مجرد احتجاج ظرفي، بل مساهمة مسؤولة وواعية في ترميم العقد الاجتماعي وتفعيل النصوص الدستورية التي بقيت معلقة منذ أكثر من عقد، مشيرة إلى أن الأزمة الراهنة لا تختزل في السياسة أو الاقتصاد فقط، بل هي في جوهرها “أزمة ثقة” متفاقمة بين المواطنين ومؤسسات الدولة. واستندت الوثيقة إلى خلاصات تقارير رسمية ومؤسسات وطنية لتؤكد أن نسبة الثقة في الأحزاب السياسية لا تتجاوز 5 في المئة لدى الشباب، بينما تراجعت الثقة في الحكومة والمؤسسات التمثيلية إلى أدنى مستوياتها، معتبرة أن هذا الواقع نتيجة مباشرة لفشل الدولة في تفعيل الحقوق التي يكفلها الدستور وغياب إرادة الإصلاح الحقيقي.
الملف المكون من عشر صفحات يربط بين فقدان الثقة واستمرار ما تسميه الحركة “الهوة بين النص الدستوري والممارسة الفعلية”، ويشير إلى أن عدداً من التقارير الوطنية الصادرة بين 2019 و2024 كشفت عن تراجع واضح في جودة الخدمات العمومية، خاصة في الصحة والتعليم والتشغيل، وهي القطاعات التي خصصت لها الحركة مساحة كبيرة من مطالبها. فقد سجلت الوثيقة أن أزيد من 8.5 ملايين مواطن ما زالوا خارج التغطية الصحية الفعلية، وأن التفاوتات المجالية في الولوج إلى العلاج ما زالت حادة رغم إطلاق نظام التأمين الإجباري، داعية إلى إطلاق خطة وطنية شاملة للصحة النفسية والعقلية، وتحيين نظام التعريفة المرجعية بما يتلاءم مع القدرة الشرائية للأسر، وتطبيق توصيات المجلس الأعلى للحسابات لضمان حكامة فعالة في القطاع الصحي.
وفي قطاع التعليم، اعتبرت الحركة أن المدرسة العمومية فقدت وظيفتها التحررية وأن القانون الإطار 51.17 ظل حبرًا على ورق، مطالبة بوضع خارطة طريق ملزمة زمنيا وممولة لتطبيق مقتضياته، مع مراجعة جذرية للمناهج الدراسية بما يعزز التفكير النقدي والمهارات الرقمية واللغات الحديثة، وبتأسيس ميثاق وطني للتعليم العالي يقوم على التوافق بين الفاعلين بدل القرارات الفوقية التي أربكت الجامعة وأفقدت الإصلاح معناه.
وفي ما يخص التشغيل، يعرض الملف المطلبي أرقامًا رسمية تكشف أن معدل البطالة في صفوف الشباب بلغ 36.7 في المئة سنة 2024، وأن الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة تواجه بطالة هيكلية تُنتج الإحباط وتغذي موجات الهجرة. وتطالب الحركة بإعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو القطاعات المنتجة ذات القيمة المضافة العالية، وبإصلاح شامل لسوق الشغل يضمن تكافؤ الفرص ومحاربة الزبونية، واعتماد قانون خاص لتشجيع ريادة الأعمال لدى الشباب وتبسيط المساطر أمامهم.
وتوقف الملف مطولاً عند ما وصفه بـ“الانزلاق الخطير” في التعامل مع الاحتجاجات السلمية التي انطلقت في السابع والعشرين من شتنبر، موثقاً حالات اعتقال وإصابات في صفوف الشباب، ومعتبراً أن ما حدث يشكل “خرقاً دستورياً صريحاً لحق التظاهر السلمي”، وداعيًا إلى فتح تحقيق قضائي مستقل في كل الانتهاكات، ومحاسبة كل من ثبت تورطه فيها، وإطلاق سراح جميع المعتقلين على خلفية الرأي أو الاحتجاج، مع إلزام المؤسسات الأمنية والحكومية باحترام الحق الدستوري في التظاهر السلمي وضمانه.
وفي الجانب المتعلق بالحكامة والشفافية، شددت الحركة على ضرورة تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز استقلالية الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، وتوسيع إلزامية التصريح بالممتلكات لتشمل جميع المسؤولين ونشرها للعموم، مع التعجيل بإخراج قانون تجريم الإثراء غير المشروع وتطبيق صارم لقواعد الشفافية في الصفقات العمومية التي اعتبرتها الوثيقة “أحد أبرز بؤر الفساد”. كما دعت إلى تفعيل آليات الرقابة والمساءلة داخل القضاء والإدارة العمومية، وتخليص أجهزة التفتيش والمراقبة من الوصاية السياسية لضمان استقلالها.
وفي ختام الملف، حمّلت حركة “جيل زيد” الحكومة الحالية التي يقودها الملياردير عزيز أخنوش” مسؤولية ما سمّته “الفشل في الوفاء بالالتزامات الدستورية والتنموية”، معتبرة أن الأزمة لم تعد تقنية بل هي أزمة إرادة سياسية، وأن الاستقالة في هذه الحالة “تصبح موقفاً سياسياً نبيلاً لا تهرباً من المسؤولية”. وأكدت الوثيقة أن مطلبها الأساس هو تفعيل الدستور بروحه ومضامينه، وبناء دولة عادلة تضمن الحقوق وتربط السلطة بالمحاسبة، وتعيد الاعتبار للثقة كشرط أول لأي مشروع وطني جديد.
وختمت الحركة ملفها بالدعوة إلى “خطة عمل عاجلة ومسؤولة” تعيد الأمل إلى الأجيال الجديدة عبر تجديد التعاقد الوطني على أسس الشفافية والمشاركة والمساءلة، مؤكدة أنها لا تتحرك ضد الدولة بل من أجل إنقاذها من الجمود واستعادة المعنى الحقيقي للمواطنة والكرامة.







