تزامنًا مع الحراك الاجتماعي الذي تقوده حركة “جيل زِد” وما أفرزه من تفاعل سياسي وإعلامي لافت، وجّهت أصوات من المعارضة انتقادات حادة للهيأة العليا للاتصال السمعي البصري “الهاكا”، محذّرة من “انزلاق خطير” في التوازن داخل الإعلام العمومي، بعد أن تحوّلت “القنوات العمومية” إلى فضاء شبه حصري لخطاب الحكومة وأحزاب الأغلبية.
ففي الأيام الأخيرة، طغى حضور الوزراء وشخصيات محسوبة على الأغلبية على مختلف البرامج الحوارية والنشرات الإخبارية، في ما يشبه “إنزالاً منظماً” على قنوات القطب العمومي، بهدف شرح السياسات الحكومية وامتصاص موجة الغضب الشعبي المتصاعدة. وقد رافق ذلك غياب شبه تام للأصوات المعارضة أو المستقلة، ما أعاد إلى الواجهة سؤال احترام مبدأ التعددية السياسية في الإعلام العمومي، ودور “الهاكا” في السهر على هذا التوازن.
وينص الفصل 165 من الدستور المغربي على أن الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري مكلفة بالسهر على احترام التعبير التعددي لتيارات الرأي والفكر، وضمان الحق في المعلومة، في إطار احترام القيم الحضارية للمملكة وقوانينها. كما يفرض القانون المنظم للقطاع ودفاتر التحملات على القنوات والإذاعات الوطنية تمكين مختلف المكونات السياسية، من أغلبية ومعارضة، من الولوج العادل إلى الفضاء السمعي البصري، مع تخصيص حصص زمنية محددة للأحزاب غير الممثلة في البرلمان.
ورغم وضوح هذه المقتضيات، فإن الممارسة على أرض الواقع تكشف عن اختلالات مزمنة. فقد سبق للمجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري أن أصدر تقريرًا سنة 2019 حول “التعددية السياسية في الإعلام السمعي البصري”، أظهر أن القنوات الوطنية خصصت نسبا ساحقة من وقتها الإخباري لشخصيات تنتمي إلى الحكومة والأغلبية البرلمانية، مقابل حضور محدود جدًا للمعارضة، وغياب شبه كلي للأحزاب غير الممثلة في البرلمان.
ووفق التقرير، بلغت نسبة الحضور الحكومي والأغلبي على القناة الأولى أكثر من 91 في المائة من مجموع وقت البث الإخباري خلال فترة المراقبة، مقابل أقل من 9 في المائة للمعارضة. أما قناة “ميدي 1 تيفي” فقد سجلت أرقامًا أعلى، بتخصيص أكثر من 95 في المائة للحكومة والأغلبية، وهو ما اعتبر حينها إخلالاً واضحاً بمبدأ التعددية، استوجب توجيه إنذارات رسمية للمتعهّدين المعنيين.
وتعيد هذه المعطيات القديمة بحدة اليوم، في ظل الظرفية الاجتماعية الراهنة، طرح سؤال “هل تقوم “الهاكا” بدورها كاملاً في مراقبة المشهد الإعلامي وضمان الولوج العادل لمختلف الفاعلين السياسيين؟ أم أن غلبة الصوت الحكومي على القنوات العمومية في هذه المرحلة الحساسة تعكس عودة نمط أحادي في التواصل العمومي؟
وتحذر مصادر من المعارضة، من أن الاستعمال المكثف للإعلام العمومي من طرف الحكومة وأغلبيتها، دون تمكين المعارضة من فرص مماثلة، قد يُحوّل هذه المنصات إلى أداة سياسية غير متكافئة، تمنح فريقًا بعينه أفضلية انتخابية قبل موعد الاستحقاقات المقبلة. في المقابل، يؤكد القانون أن مبدأ التعددية الإعلامية حق للمواطن أولاً، يضمن له الاطلاع على مختلف الآراء وتشكيل مواقفه بحرية، وليس مجرد حصة تفاوضية بين الفاعلين السياسيين.







