سلّط تقرير نشرته الشرق بلومبرغ اليوم الأحد الضوء على تحوّل الجنوب الشرقي إلى واحد من أهم مسارح البحث عن النيازك في العالم، في مشهد تتداخل فيه العوامل العلمية بالاقتصادية، وتنعكس فيه الهشاشة الاجتماعية على الاندفاع نحو “ثروات” تهبط من السماء في الجنوب الشرقي للمملكة.
ووفقاً للتقرير، سجّل المغرب خلال العقدين الماضيين أكبر عدد من حالات سقوط الأحجار الفضائية عالمياً، ما جعله مصدراً لنحو نصف الدراسات العلمية المنشورة في هذا المجال، استناداً إلى ما أكدته حسناء الشناوي أوجهان، أستاذة علم النيازك والكواكب بجامعة الحسن الثاني. وأتاح المناخ الصحراوي الجاف وتباين التضاريس اكتشاف الشظايا بسرعة، بينما رسّخ الإطار القانوني المرن موقع المغرب في سوق عالمية تتّسم بالتضييق في معظم دول الجوار.
ويشير التقرير إلى أن المملكة تعتمد منذ 2020 نظاماً يسمح بتصدير 90% من المكتشفات بعد تسجيلها لدى المديرية الوطنية للجيولوجيا، في مقابل منع شبه كلي في الجزائر وتونس وليبيا ومصر. هذا الفارق القانوني جعل المغرب مركزاً مفتوحاً للهواة والمهنيين الذين يتوافدون من مختلف أنحاء العالم للبحث عن الصخور الفضائية، في وقت يواصل فيه السكان المحليون اعتبار هذه الهواية مصدراً بديلاً للدخل في مناطق يشتد فيها الفقر وتقل فيها الفرص.
ويتابع التقرير سرد قصص الباحثين الذين يهرعون إلى الصحراء بمجرد ظهور كرة نارية في السماء. من بينهم محمد بنيتجيت، تاجر خمسيني من قرية النزالة، الذي قضى 15 عاماً في ملاحقة الشهب دون أن يعثر على “ضربة الحظ” التي يحلم بها. ويقول إنه باع أغلى قطعة مقابل 1500 درهم فقط، لكنه لا يزال يحتفظ بعينة يعتقد أنها قادمة من القمر، آملاً أن يجد من يقدّر قيمتها.
ويفصّل التقرير الجانب الاقتصادي لهذه التجارة التي تتفاوت فيها الأسعار بشكل كبير. فالغرام من النيازك القمرية يتجاوز 100 دولار، فيما ترتفع القيمة إلى ألف دولار للغرام من النيازك المريخية. ويستحضر التقرير حالة نيزك “تيسينت” الذي سقط سنة 2011 قرب وادي درعة، وقد اشترى متحف التاريخ الطبيعي في لندن قطعة منه مقابل 330 ألف جنيه إسترليني، بينما تعرض مؤسسة الطارق في الدار البيضاء عينة صغيرة لا يتجاوز وزنها سبعة غرامات بسعر يقارب سبعة آلاف دولار.
ويبرز التقرير أيضاً النمو المتسارع لسوق النيازك في مدن مثل أرفود وميدلت والرشيدية، حيث انتشرت متاجر متخصصة وأصبحت الرحلات الاستكشافية جزءاً من النشاط الاقتصادي المحلي. وينقل عن رئيس المجلس المحلي بميدلت، رشيد عدنان، قوله إن نحو 100 شخص شاركوا قبل أسابيع في عملية مسح واسعة للصحراء بعد سقوط كرة نارية في منطقة جبل العياشي.
ورغم هذا الزخم، يشير التقرير إلى أن الجزء الأكبر من التجارة يمر خارج القنوات القانونية بسبب غياب نظام شامل للتوثيق والمصادقة، وهو ما يقلص فرص الاستفادة الاقتصادية ويضعف القيمة العلمية للعينات. وتدعو الشناوي أوجهان، كما ينقل التقرير، إلى إنشاء منظومة شهادات رسمية للحد من السوق السوداء وتوفير حماية أكبر للباحثين وللتراث العلمي المغربي.
وفي خلاصة ما أورده التقرير، تبدو الصحراء المغربية اليوم فضاءً فريداً يستقطب العلماء والتجار والباحثين عن الرزق، حيث تمتزج قصص البشر بحجارة قادمة من خارج الأرض، وتصبح الشهب التي تعبر السماء لحظة خاطفة جزءاً من اقتصاد محلي ناشئ يكتب فصوله بصمت في عمق الجنوب الشرقي للمملكة.







