وجه تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية انتقادات حادة لوزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، على خلفية ظهوره العلني المتكرر بلهجة قتالية صاخبة خلال الحرب الأميركية على إيران، وسط تحذيرات من منتقدين يرون أن الرجل، القادم من شاشة «فوكس نيوز» إلى قيادة البنتاغون، يفتقر إلى الخبرة والاتزان اللازمين لإدارة حرب إقليمية معقدة، وأن خطابه يعكس نزعة أيديولوجية ودينية مقلقة داخل المؤسسة العسكرية الأميركية.
وقال التقرير إن هيغسيث، البالغ 45 عاماً، تحول هذا الأسبوع إلى الوجه الأبرز للحرب التي يخوضها الرئيس دونالد ترامب ضد إيران، بعدما تبنى خطاباً وصفته الصحيفة بأنه أقرب إلى التفاخر بالقوة والتلذذ بمشاهد الدمار منه إلى لغة مسؤولي الدفاع في أوقات النزاع. واستشهدت الغارديان بتصريحات أدلى بها من البنتاغون تحدث فيها عن «الموت والدمار من السماء طوال اليوم»، مؤكداً أن الحرب «لم يكن مقدراً لها أن تكون عادلة»، وأن الولايات المتحدة «تضربهم وهم في وضع ضعيف، وهذا ما يجب أن يكون».
وبحسب التقرير، فإن هذا الأداء أثار قلقاً متزايداً لدى أوساط مدنية وعسكرية سابقة ترى أن هيغسيث لا يتعامل مع الحرب بوصفها اختباراً بالغ الحساسية للأمن القومي، بل كمنصة لاستعراض القوة ومخاطبة القاعدة اليمينية المؤيدة لترامب. ونقلت الصحيفة عن جانيسا غولدبيك، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة «فيت فويس» المعنية بالدفاع عن شؤون المحاربين القدامى، قولها إن هيغسيث «شخص بالغ الخطورة»، معتبرة أن امتلاكه أدوات القوة العسكرية الأميركية مع تفويض سياسي مفتوح من ترامب يجعله قادراً على «نشر الخراب حيثما شاء وضد من يشاء».
وربط التقرير بين سلوك هيغسيث الحالي والصورة التي راكمها لسنوات في الإعلام المحافظ بوصفه شخصية تميل إلى اللغة الاستعراضية والحدة الأيديولوجية. واعتبرت الغارديان أن السمات التي كانت تجعله نجماً تلفزيونياً في أوساط اليمين الأميركي تبدو اليوم، في نظر منتقديه، دليلاً على عدم أهليته لقيادة وزارة الدفاع في لحظة تتطلب قدراً كبيراً من التوازن والحسابات الدقيقة. وزاد من حدة هذه الانتقادات، وفق الصحيفة، مقطع دعائي جرى تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي جمع بين لقطات من أفلام هوليوودية ومشاهد حقيقية من الضربات على إيران إلى جانب ظهورات لهيغسيث، بما عزز الانطباع بأنه يوظف الحرب في صناعة صورة دعائية قائمة على تمجيد العنف.
وتوقف التقرير عند طريقة تعامل وزير الدفاع الأميركي مع مقتل ستة من جنود الاحتياط الأميركيين في هجوم إيراني استهدف مركز عمليات في الكويت. ففي إفادة صحافية، هاجم هيغسيث وسائل الإعلام، معتبراً أن التركيز على مثل هذه الحوادث يخدم محاولات تشويه صورة ترامب، وهو ما قوبل، بحسب الغارديان، باستهجان واسع بسبب ما اعتبر افتقاراً واضحاً إلى التعاطف مع القتلى.
ونقلت الصحيفة عن أستاذ التاريخ في «نيو سكول» جيريمي فارون قوله إن هذا الموقف «فاضح»، لأنه يتعامل مع مقتل الجنود الأميركيين كأداة في السجال السياسي، لا كخسارة وطنية تستوجب الاحترام والتكريم.
واستعرضت الغارديان المسار الشخصي والمهني لهيغسيث، مشيرة إلى أنه درس العلوم السياسية في جامعة برينستون، وخدم لاحقاً في الحرس الوطني الأميركي، بما في ذلك مهمات في غوانتانامو والعراق وأفغانستان، قبل أن ينتقل إلى العمل في منظمات محافظة معنية بالمحاربين القدامى ثم إلى الإعلام عبر «فوكس نيوز». إلا أن التقرير أشار إلى أن صعوده إلى رأس وزارة الدفاع لم يكن سلساً، إذ لاحقته منذ سنوات اتهامات تتعلق بسوء الإدارة والسلوك الشخصي، كما أثيرت خلال جلسات تثبيته في مجلس الشيوخ تساؤلات جدية بشأن خبرته، ومواقفه من النساء في القوات المسلحة، ومزاعم عن شربه أثناء العمل واتهامات بسوء السلوك. ورغم ذلك، مر تعيينه بفارق صوت واحد حسمه نائب الرئيس جي دي فانس.
وأشار التقرير إلى أن هيغسيث لم يخف منذ توليه منصبه رغبته في استخدام قوة أميركية أكثر عنفاً وأقل تقيداً بالضوابط التقليدية، إذ تعهد بـ«إطلاق عنف كاسح وعقابي» ضد أعداء الولايات المتحدة، ووعد بالتخلص مما وصفه بـ«قواعد الاشتباك الغبية»، في إشارة إلى القيود المفروضة لتجنب استهداف المدنيين. وترى الصحيفة أن هذه التصريحات، إلى جانب أدائه الإعلامي، تعكس تصوراً للقيادة العسكرية يقوم على الحسم الاستعراضي أكثر من الإدارة الاستراتيجية للصراع.
وفي أحد أكثر محاور التقرير إثارة للجدل، سلطت الغارديان الضوء على الخلفية الفكرية والدينية لهيغسيث، مشيرة إلى ما قالت إنه تقاطع واضح بين مواقفه السياسية وخطاب القومية المسيحية. وأوردت الصحيفة أن صوراً سابقة أظهرت وشوماً على جسده مرتبطة برموز الحروب الصليبية، بينها «صليب القدس» وعبارة «Deus vult» التي تعني «هذه إرادة الله»، وهي عبارة ارتبطت تاريخياً بالحملات الصليبية وأعيد إحياؤها حديثاً في أوساط اليمين المتطرف. كما ذكرت أن هيغسيث كتب في مؤلف سابق بعنوان American Crusade أن المستفيدين من «الحضارة الغربية» عليهم أن «يشكروا صليبياً»، وأن التصويت، برأيه، «سلاح لكنه لا يكفي».
وبحسب التقرير، فإن هذا البعد الأيديولوجي لم يعد مسألة شخصية أو رمزية، بل بات ينعكس، كما يقول منتقدوه، على الخطاب المتصل بالحرب نفسها. فقد نقلت الصحيفة عن «مؤسسة الحرية الدينية العسكرية» قولها إنها تلقت أكثر من 200 شكوى من عسكريين تحدثوا عن استخدام بعض القادة خطاباً مسيحياً متشدداً ومفردات مرتبطة بـ«نهاية الأزمنة» لتبرير الانخراط في الحرب مع إيران. وحذر باحثون ورجال دين تحدثوا للصحيفة من أن هذا الخطاب يخرج النزاع من إطاره السياسي والأمني، ويعيد تقديمه بوصفه مواجهة دينية بين «أمة مسيحية» ودولة مسلمة، بما قد يسيء إلى حلفاء واشنطن العرب ويمنح طهران مادة دعائية لتأطير الحرب على أنها «حرب مقدسة».
ويخلص التقرير إلى أن الجدل حول هيغسيث لا يتعلق فقط بخشونة تصريحاته أو ميله إلى الاستفزاز الإعلامي، بل يمتد إلى سؤال أعمق بشأن أهليته لقيادة البنتاغون في لحظة شديدة الخطورة. فبينما يراه أنصار ترامب تجسيداً للحزم المطلوب في زمن الحرب، ترى الأصوات التي نقلتها الغارديان أن أداءه يكشف مزيجاً من الاندفاع الأيديولوجي والاستعراض الإعلامي والقصور عن التعامل مع تعقيدات الشرق الأوسط بلغة الدولة ومؤسساتها.







