في الوقت الذي أطلق فيه حزب التجمع الوطني للأحرار، من العاصمة العلمية فاس، أولى محطات برنامجه الانتخابي بسيل من الوعود ذات الطابع المالي، شككت مصادر اقتصادية ومالية تحدثت لـ”نيشان” في مدى واقعية هذه الالتزامات وقابليتها للتنفيذ الفعلي دون إغراق ميزانية الدولة في عجز غير مسبوق.
وترى المصادر أن مقترحات الحزب، التي يتصدرها وعد برفع الحد الأدنى للأجور والمعاشات، وإقرار خصم ضريبي يصل إلى 5000 درهم سنويا عن كل طفل لتغطية مصاريف التمدرس، تبدو أقرب إلى توزيع “شيكات سياسية على بياض” لامتصاص الغضب الاجتماعي منها إلى خطة اقتصادية قابلة للتمويل، خصوصاً في ظل الإكراهات الماكرو-اقتصادية المعقدة التي تمر منها البلاد.
وتبرز المفارقة الصارخة، بحسب المصادر ذاتها، في كون الوافد الجديد على رأس حزب “الحمامة”، محمد شوكي، يدرك تمام الإدراك، بصفته رئيساً سابقاً للجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، حجم الضغوط الهيكلية التي تواجهها الخزينة العامة.
غير أن الحزب الذي قاد الحكومة لخمس سنوات كاملة، طبعتها سياسات مالية شديدة الحذر وخطاب رسمي برر تدهور القدرة الشرائية للمغاربة بتقلبات الأسواق الدولية والجفاف، اختار فجأة، وعلى بعد أسابيع قليلة من فتح صناديق الاقتراع، تبني لغة “سخية” تتحدث عن دروع لحماية الطبقة المتوسطة وربط الدعم المباشر بمعدلات التضخم.
ومن جهة أخرى، ترى مصادر “نيشان” أنه لا يمكن قراءة هذا الانعطاف نحو لغة “الكاش” والإعفاءات الضريبية بمعزل عن الرغبة الواضحة في التغطية على الحصيلة الصعبة لوعود 2021. فالحزب الذي بنى شرعيته الحكومية على تعهد قاطع بخلق “مليون منصب شغل”، يجد نفسه اليوم محاصراً بتقارير رسمية لمندوبية التخطيط توثق لمعدلات بطالة تعد من بين الأعلى خلال السنوات الأخيرة.
وبدل تقديم حصيلة شفافة أو حلول هيكلية لمعضلة التشغيل، يبدو أن القيادة التجمعية فضلت الهروب إلى الأمام عبر مقترحات من قبيل “درع الادخار” للعاملين في القطاع غير المهيكل، وهو قطاع يحتاج أساساً إلى الإدماج القانوني والاقتصادي وليس إلى دفاتر ادخار بنكية.
وترى مصادرنا أن ما وصفته بالانتقال الدراماتيكي من وعود الإنتاج وخلق الثروة إلى تقديم المسكنات المالية ومغازلة جيوب الأسر، يعكس ارتباكاً واضحاً في تدبير المرحلة، ويضع صورة الحزب الذي طالما سوّق لنفسه باعتباره “تجمعاً للكفاءات” أمام اختبار عسير في مواجهة ناخبين باتوا أكثر ميلاً إلى محاسبة الحصيلة من تصديق لغة الأرقام والوعود الانتخابية.







