في وقت تتسع فيه رقعة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران وتتداخل تداعياتها الإقليمية، تكشف تحليلات صحافية غربية عن حجم المأزق الذي يواجهه حلفاء واشنطن في الخليج، بالتوازي مع الشكوك المتزايدة بشأن جدوى الاستراتيجية الأمريكية نفسها في إدارة الحرب.
ففي قراءة للوضع داخل دول مجلس التعاون الخليجي، تشير مجلة “دا إكونوميست” إلى أن هذه الدول، رغم كونها الأكثر تعرضا لهجمات إيرانية منذ اندلاع المواجهة الأخيرة، لا تبدو متحمسة للانخراط المباشر في الحرب التي أطلقها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ضد طهران. ويعكس هذا التردد خليطا من الحسابات الأمنية والاعتبارات السياسية الداخلية، فضلا عن أزمة ثقة متنامية في طريقة إدارة واشنطن للصراع.
وتشير المجلة إلى أن دول الخليج الست لم تنجح تاريخيا في بناء مستوى عال من التنسيق الاستراتيجي بينها، وهو ما انعكس في تعثر مشاريع تكاملية عديدة مثل العملة الموحدة أو شبكة السكك الحديدية الخليجية. ومع اندلاع الحرب الأخيرة، بدا أن هذه الدول وجدت نفسها مضطرة إلى الحد الأدنى من التنسيق الدفاعي، خصوصا بعد موجة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي أطلقتها إيران خلال الأيام الماضية واستهدفت عدة منشآت حيوية في المنطقة.
وبحسب المعطيات المتداولة، فقد أطلقت طهران أكثر من ألفي صاروخ وطائرة مسيرة منذ بداية المواجهة، وكان نصيب الإمارات العربية المتحدة الأكبر من هذه الضربات، فيما طالت هجمات أخرى منشآت في البحرين من بينها المصفاة النفطية الوحيدة في المملكة، ما أسفر عن إصابات وأجبر شركة النفط الوطنية على إعلان حالة “القوة القاهرة”.
ورغم هذا التصعيد، لا يوجد داخل العواصم الخليجية اتفاق واضح حول كيفية الرد. فبينما يدعو بعض المسؤولين إلى التريث وتجنب الانجرار إلى حرب مفتوحة قد تتخلى الولايات المتحدة عنها في أي لحظة، يرى آخرون أن ضبط النفس لم يعد كافيا في ظل استمرار الضربات الإيرانية. غير أن العامل الأكثر حسما في هذا الجدل، وفق التحليل نفسه، هو غياب الثقة في الإدارة الأمريكية.
فالدول الخليجية كانت قد حثت واشنطن، قبل اندلاع الحرب، على تجنب الخيار العسكري، لكنها عندما بدا أن المواجهة باتت حتمية، عبرت عن قلقها من احتمال أن تدخل الولايات المتحدة حربا دون استراتيجية واضحة للخروج منها. كما أن ذكريات الهجوم الإيراني على منشآت النفط السعودية سنة 2019، عندما امتنعت واشنطن عن الرد العسكري، ما زالت حاضرة بقوة في حسابات صناع القرار في المنطقة.
ويزيد من تعقيد المشهد الدور الإسرائيلي في الصراع، خصوصا بعد تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن مشاركة دول خليجية في عمليات عسكرية ضد إيران. وقد سارعت عدة عواصم خليجية إلى نفي تلك المزاعم، معتبرة أن مثل هذه التسريبات قد تهدف إلى فرض واقع سياسي جديد أو دفع هذه الدول إلى الانخراط في الحرب رغما عنها.
وتتداخل هذه الحسابات الجيوسياسية مع اعتبارات داخلية لا تقل حساسية. ففي بعض دول الخليج، مثل البحرين، تخشى السلطات من أن يؤدي الانخراط في الحرب إلى تأجيج التوترات الطائفية، في ظل وجود قاعدة شعبية شيعية تشعر بالتهميش منذ سنوات. كما بدأ رجال أعمال نافذون في المنطقة يبدون قلقهم من التداعيات الاقتصادية للصراع، في وقت تقوم فيه اقتصادات الخليج على الاستقرار التجاري والمالي.
في المقابل، تكشف قراءة أخرى نشرتها صحيفة “فينانشل تايمز” أن الرهان الأمريكي على تكرار سيناريو “تغيير القيادة” الذي طبقته واشنطن في فنزويلا يواجه تعثرا واضحا في الحالة الإيرانية. فبحسب التحليل الذي قدمه الكاتب جدعون رشمان، كان الرئيس الأمريكي يأمل في أن تؤدي الضربات العسكرية إلى تفكيك القيادة الإيرانية وفتح الطريق أمام شخصية جديدة يمكن للولايات المتحدة التأثير في اختيارها.
غير أن هذا السيناريو تلقى ضربة قوية بعد إعلان تعيين مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي الذي اغتيل مع بداية الحرب، مرشدا أعلى جديدا للجمهورية الإسلامية. ويرى الكاتب أن هذا التطور بدد الآمال الأمريكية في إعادة تشكيل القيادة الإيرانية على نحو مشابه لما حدث في كاراكاس عندما أطاحت واشنطن بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وساعدت في صعود قيادة جديدة أكثر تقاربا معها.
وتكمن المشكلة، وفق التحليل نفسه، في أن واشنطن لم تكن تمتلك داخل إيران شخصية جاهزة لتولي السلطة وتحظى في الوقت نفسه بقبول داخلي يسمح لها بإدارة المرحلة الانتقالية. كما أن خيارات المعارضة الخارجية، مثل رضا بهلوي نجل الشاه الإيراني السابق، لم تحظ بدعم فعلي داخل الإدارة الأمريكية.
وبينما تمكنت الولايات المتحدة في فنزويلا من حسم العملية بسرعة نسبية، تحولت المواجهة مع إيران إلى حرب إقليمية واسعة امتدت تداعياتها إلى أكثر من عشر دول خلال أسبوع واحد فقط، مع تبادل للضربات الصاروخية وإغلاق فعلي لمضيق هرمز أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية.
ويحذر التحليل من أن استمرار الحرب قد يضع الإدارة الأمريكية تحت ضغط اقتصادي وسياسي متزايد، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، إذ قد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع الأسواق إلى تقويض الدعم الشعبي للرئيس.
وفي هذا السياق، يرجح بعض المراقبين أن يلجأ ترامب في مرحلة لاحقة إلى تقليص خسائره عبر إعلان نوع من “الانتصار السياسي” ثم السعي إلى إنهاء العمليات العسكرية، وهي استراتيجية سبق أن اعتمدها في ملفات أخرى. غير أن تعقيد الصراع الحالي، ووجود عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين في المنطقة، إضافة إلى شبكة القواعد العسكرية والحلفاء المعرضين للخطر، يجعل الخروج السريع من الحرب مسألة أكثر صعوبة مما قد يبدو.







