في سياق النقاش المتواصل بالمغرب حول شفافية تدبير أتعاب المهن الحرة، وعلى رأسها مهنة المحاماة، يطفو النموذج الإسباني إلى الواجهة باعتباره تجربة تجمع بين حماية حقوق المتقاضين وفرض انضباط مالي صارم على الممارسين.
وفي هذا الإطار، كشف إدريس جدي، المحامي بهيئة مدريد، من خلال تدوينة تشاطرها على صفحته بفيسبوك، عن تفاصيل تدبير أتعاب المحامين بإسبانيا، مسلطا الضوء على آليات دقيقة تحد من أي تقدير عشوائي لتكلفة التقاضي، وهو ما يهم شريحة واسعة من المغاربة، سواء داخل الوطن أو في صفوف الجالية المقيمة بالخارج.
وأوضح جدي أن هيئات المحامين بإسبانيا، ومنها هيئة مدريد، تعتمد نظاما يعرف بـ”التعريفة الاسترشادية”، التي تشكل مرجعا شبه رسمي لتحديد أتعاب مختلف الإجراءات القانونية. ورغم أن هذه التعريفة لا تكتسي طابعا إلزاميا مطلقا، إلا أنها تمثل سندا أساسيا تستأنس به المحاكم عند البت في النزاعات المالية بين المحامي وموكله، خاصة في حال غياب اتفاق مكتوب، الذي يظل الضمانة الأهم لتأطير العلاقة منذ بدايتها.
ووفق المعطيات التي قدمها المحامي ذاته، تستند هذه الأتعاب إلى تسعيرة مرجعية تعود إلى سنة 2013، مع إدخال زيادات دورية تواكب تطور كلفة المعيشة، حيث تبلغ كلفة الاستشارة القانونية أو تحرير مذكرة بسيطة نحو 120 يورو، وترتفع إلى 240 يورو في حالة المؤازرة أمام مصالح الشرطة، فيما تصل إلى 1200 يورو في قضايا الجنح وتذييل الأحكام الأجنبية، التي تشهد إقبالا ملحوظا من طرف المغاربة، بينما قد تبلغ أتعاب الطعن بالنقض المدني حوالي 3200 يورو. أما في قضايا حوادث السير، فتحدد الأتعاب عادة كنسبة مئوية من مبلغ التعويض.
ويبرز من خلال هذا النموذج، خلافا لما هو متداول في السياق المغربي، استقلال المسار المالي لأتعاب المحامي، إذ لا تمر هذه الأتعاب عبر هيئات المحامين ولا تودع بصناديقها، كما لا تخضع لأي اقتطاعات لفائدتها من هذا الباب، حيث يتلقى المحامي مستحقاته مباشرة من موكله، إما نقدا مقابل وصل قانوني، أو عبر تحويل بنكي موثق.
وفي المقابل، يواكب هذا الاستقلال المالي التزام ضريبي صارم، إذ يُلزم المحامي في إسبانيا بتقديم تصريحات دورية كل ثلاثة أشهر تتضمن تفاصيل مداخيله ومصاريفه لدى الإدارة الجبائية، تعقبها تسوية سنوية شاملة، بما يعزز شفافية المداخيل ويضمن حقوق الخزينة العامة.
ولم يغفل النظام الإسباني، في الآن ذاته، ضمان ولوج الفئات الهشة إلى العدالة، من خلال آلية “المساعدة القضائية”، التي تتيح تعيين محام بشكل مجاني لفائدة من لا يتجاوز دخلهم سقفا محددا، ما يقدم نموذجا متكاملا يوازن بين شفافية الممارسة المهنية، وحماية القدرة الشرائية للمتقاضين، وضمان الحق الدستوري في الدفاع.







