لجان الافتحاص والاستماع والتدقيق والتحقيق تحبل بالمغرب، لكنها لا تلد…
واهم من يعتقد أن لجنة تقصي الحقائق حول دعم المواشي ستخرج لنا لوائح بأسماء “الفراقشية” الكبار… أو ستُبيض لنا متهمين ومتابعات قضائية… هذا إن كُتب لهذه اللجنة أن ترى الوجود.
والواقع أن “صينية” التوقيعات التي تدور بين فرق المعارضة والأغلبية تشبه إلى حد كبير التراشق بالوحل.
يحدث ذلك قبل أسابيع من انتخابات ستجهض بالتأكيد هذه اللجنة وهي لا تزال “مضغة”… تماماً كما حدث مع المهمة الاستطلاعية حول أرباح البنوك.
لقد كان حزب الأحرار، الذي تلاحق بعض وزرائه وبرلمانييه اتهامات “فرقشة”، واضحاً وصريحاً مع قناعاته.
الحزب أكد أنه غير معني بهذه اللجنة… فكيف لمتهم بالسرقة أن يفتش عن المسروق؟
كما أن الحزب مقتنع بأن اللجنة عبارة عن محارة فارغة، وأن الهدف منها هو عزله من طرف حلفائه قبل المعارضة، حتى يغسلوا أيديهم دفعة واحدة من وسخ حكومة عاش معها المغاربة أسوأ أيامهم.
لقد تعودنا في هذا البلد على أن نخلق لجنة تقصي، أو لجنة استطلاع، أو حتى فتح تحقيق قضائي، في إطار نوايا حسنة توصل إلى طريق مسدود عن سبق إصرار وترصد.
لكن الرقم القياسي في الفضائح، وأساساً في عدد التحقيقات التي أُعلن عنها خلال الشهور الماضية، ضمن بلاغات رسمية، دون أن تلد لنا أي نتيجة، يطرح الكثير من علامات الاستفهام.
دولة القانون لا تتحقق عبر القذف والتقاذف السياسي، كما أن مناعتها لا تتقوى بالبلاغات والوعود التي تراهن على الوقت والذاكرة القصيرة، بشكل يبدد آخر ما تبقى من رصيد الثقة في مؤسسات الدولة.
كنا ندعو للإفراج عن متابعي جيل زيد ومعتقلي الريف، والآن بتنا ندعو للإفراج عن نتائج التحقيقات التي ذهبت إلى أبعد مدى دون أن تعود.
كنا نأمل أن تدخل النيابة العامة على خط هذا ملف “الفراقشية”، خاصة بعد فضيحة عيد الأضحى التي كشفت ما يجري من لعب كبير في قطاع المواشي… بعد أن تبخرت عشرات الآلاف من رؤوس الأغنام والأبقار؟؟؟ واختفت معها عشرات الملايير من أموال الدعم.
لقد جربنا يد المؤسسة التشريعية في ملف المحروقات، واتضح أنها قصيرة… واليوم، مع ملف “الفراقشية”، كل ما سنحصل عليه هو تسخينات انتخابية.
لقد جرت العادة في المغرب أن يتم العصف بالمسؤولين الصغار، إما بإعفائهم أو باعتقال العشرات منهم دفعة واحدة، والزج بهم في السجون بعد محاكمات سريعة لطي أي ملف، كما حدث في صيف سنة 2012 مع عناصر الجمارك والدرك والأمن، على خلفية غضبة ملكية من سوء معاملة أفراد الجالية. لكن حين يتعلق الأمر بمسؤولين كبار، فإن القانون يفرمل، ويوضع له لجام يحد من فعاليته وسرعته، من خلال الركون إلى لجان افتحاص وتقصي واستماع.
هذا ما يدفعنا للتأكيد بأن هناك من يراهن على تحرك المؤسسة التشريعية لربح الوقت، وإقبار هذا الملف دون تحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية.







