لم يكن خروج المنتخب الوطني المغربي أمام فرنسا من ربع نهائي كأس العالم 2026 مجرد نهاية لمسار مونديالي واعد، بل فتح الباب أمام أسئلة كثيرة تتجاوز تفاصيل التسعين دقيقة، لتلامس اختيارات الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في تدبير المرحلة التي أعقبت كأس الأمم الإفريقية، وعلى رأسها توقيت اتخاذ قرار تغيير مدرب “الأسود”.
فبعيدا عن تحميل المدرب محمد وهبي مسؤولية الإقصاء أو التقليل من قوة المنتخب الفرنسي، يبرز سؤال يبدو مشروعا أكثر من أي وقت مضى: هل كان تأخر الجامعة في طي صفحة وليد الركراكي سببا في حرمان وهبي من الوقت الكافي لبناء منتخب يعكس فلسفته ويملك خيارات بشرية أوسع؟
منذ الإخفاق في كأس إفريقيا، تعالت أصوات عديدة مطالبة بفتح صفحة جديدة، غير أن الجامعة فضلت منح الركراكي فرصة إضافية، قبل أن تحسم قرارها في وقت لاحق، ليجد محمد وهبي نفسه أمام ورش معقد في فترة زمنية ضيقة، وهو مطالب في الوقت نفسه بالحفاظ على النتائج، والاستعداد لكأس العالم، وإحداث تغيير في هوية المنتخب.
ولعل أكبر تحد واجهه المدرب الجديد لم يكن مرتبطا بالمنافسين، بل بضيق الوقت. فالانتقال من فلسفة وليد الركراكي، القائمة على الانضباط الدفاعي واللعب المباشر والتحولات السريعة، إلى أسلوب مختلف يقوم على الاستحواذ وبناء اللعب والضغط المتقدم، يحتاج إلى أشهر طويلة من العمل، وإلى عدد كاف من المباريات الودية والتجمعات التدريبية لترسيخ الأفكار الجديدة داخل المجموعة.
غير أن وهبي لم يحصل على هذا الامتياز، إذ وجد نفسه مضطرا إلى خوض الاستحقاقات الكبرى بمجموعة لم يختر أغلب عناصرها، وبهوية لم تكتمل ملامحها بعد، وهو ما جعل المنتخب يبدو في بعض الفترات وكأنه يعيش مرحلة انتقالية بين مدرستين مختلفتين.
وتكشف مباراة فرنسا جزءا من هذه الإشكالية، فحين تعرض المنتخب للإصابات والغيابات، بدت دكة البدلاء أقل قدرة على تغيير مجرى اللقاء، في وقت امتلك فيه المنافس الفرنسي خيارات متعددة صنعت الفارق. وهنا يطرح سؤال آخر: هل كان وهبي سيصل إلى المونديال بهذه المحدودية في البدائل لو حصل على شهرين إضافيين لاكتشاف عناصر جديدة ومنحها فرصة الانسجام مع المجموعة؟
فالمدرب الجديد لم يكن بحاجة فقط إلى الوقت لتطبيق أفكاره، بل أيضا إلى فرصة لتوسيع قاعدة الاختيارات، وإعادة تقييم عدد من الأسماء، وفتح الباب أمام لاعبين آخرين كان بإمكانهم منح المنتخب حلولا إضافية في المراكز التي عانت من النقص خلال البطولة.
ولا يتعلق الأمر بالقول إن هذا الوقت الإضافي كان سيضمن للمغرب الفوز على فرنسا أو بلوغ المربع الذهبي، فمثل هذا الطرح يظل افتراضيا، لكن المؤكد أن بناء منتخب جديد يحتاج إلى الزمن أكثر مما يحتاج إلى الخطابات. فجميع المنتخبات التي غيرت مدربيها قبل المواعيد الكبرى منحتهم فترة انتقالية كافية لترسيخ أفكارهم، بينما وجد وهبي نفسه مطالبا بتحقيق النتائج وإعادة البناء في آن واحد.
ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل أن المنتخب الوطني قدم مؤشرات إيجابية خلال فترات من البطولة، ما يؤكد أن المشروع الجديد يملك مقومات النجاح إذا ما توفرت له الاستمرارية والوقت اللازمان، بعيدا عن الأحكام المتسرعة التي غالبا ما تفرضها نتائج المباريات الكبرى.
وبين قوة المنتخب الفرنسي، والأخطاء التكتيكية، والإصابات، وتراجع مردود بعض اللاعبين، يبقى عامل الزمن أحد أكثر الملفات التي تستحق النقاش بهدوء. فربما لم تبدأ خسارة المغرب أمام فرنسا مع صافرة بداية تلك المباراة، بل بدأت منذ اللحظة التي تأخر فيها الحسم في مستقبل المنتخب بعد كأس إفريقيا، ليخوض محمد وهبي سباقا مع الوقت، وهو سباق يصعب الفوز به مهما كانت كفاءة المدرب أو جودة اللاعبين.







