تعيش المديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية بجهة فاس مكناس على وقع انتقادات متزايدة بسبب ما تصفه مصادر نقابية بـ”التدبير العبثي” لملف التعيين في مناصب المسؤولية بالمؤسسات الصحية، بعدما ظل مئات الأطباء والممرضين يشغلون مهام رؤساء مراكز صحية ورؤساء مصالح وأقطاب بالنيابة أو بمذكرات تكليف مؤقتة، دون تسوية وضعيتهم الإدارية والمالية، ودون الاستفادة من التعويضات القانونية المرتبطة بهذه المسؤوليات.
ويعود هذا الملف إلى 13 أبريل 2023، حين أعلنت المديرية الجهوية للصحة بجهة فاس مكناس عن فتح باب الترشيح لشغل عدد كبير من مناصب المسؤولية الشاغرة بمختلف المؤسسات الصحية التابعة لها، قبل أن يتم لاحقا إطلاق إعلان ثان، غير أن مختلف هذه الإجراءات بقيت، بحسب مصادر متطابقة، دون حسم نهائي في أغلب المناصب، رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على الإعلان الأول، وأكثر من سنة على آخر إعلان.
وفي خطوة وصفت بأنها “جزئية وغير كافية”، أعلنت المديرة الجهوية للصحة، سليمة صعصع، بتاريخ 14 أكتوبر 2025، عقب لقاء مع النقابات الصحية، عن تحديد يوم 12 نونبر 2025 لإجراء مقابلات التعيين، غير أن هذه العملية همت، وفق ما أعلنته المديرية، مرحلة أولى اقتصرت على عدد محدود من رؤساء الأقطاب ببعض المستشفيات، بينما بقيت مئات المناصب الأخرى معلقة دون تسوية.
وتؤكد المعطيات المتوفرة أن عدد المناصب المفتوحة للتباري لم يكن محدودا، بل شمل مئات المناصب الموزعة بين المستشفيات الجهوية والإقليمية والمحلية، ومؤسسات الرعاية الصحية الأولية، ومؤسسات الدعم، إضافة إلى مناصب رؤساء الأقطاب ورؤساء المراكز الصحية من الأطباء والممرضين، مع تسجيل وجود بعض المناصب التي لم يتقدم لشغلها أي مترشح.
وفي هذا السياق، أفادت مصادر نقابية بأن عددا كبيرا من مناصب المسؤولية ما يزال شاغرا أو يسير بشكل مؤقت عن طريق الإنابة أو مذكرات التكليف، معتبرة أن استمرار هذا الوضع يتعارض مع مقتضيات قرار وزارة الصحة رقم 456.11 الصادر في 6 يوليوز 2010، المتعلق بالنظام الداخلي للمستشفيات، وكذا المنشور الوزاري رقم 039/2019 بتاريخ 5 يونيو 2019، الخاص بمسطرة التعيين في مناصب المسؤولية بالمستشفيات والمراكز الصحية.
وترى المصادر ذاتها أن التأخر في البت في ملفات الترشيح لا يحرم الأطر الصحية فقط من التعويضات التي يخولها لها القانون، بل ينعكس أيضا على استقرار المؤسسات الصحية وجودة تدبيرها، ويخلق حالة من الاحتقان التنظيمي داخل المرافق الصحية، في وقت يستعد فيه القطاع لتنزيل مشاريع إصلاح المنظومة الصحية وإحداث التجمعات الصحية الترابية.
وتبرز مدينة مكناس كنموذج لهذه الوضعية، حيث تشير المعطيات إلى أن ما يقارب 40 طبيبا وممرضا رئيسا يشرفون حاليا على مراكز ومستوصفات صحية دون الاستفادة من تعويضات المسؤولية، رغم تحملهم الكامل لمهام التسيير اليومي، وهو ما تعتبره المصادر نتيجة مباشرة للتأخر في الحسم في التعيينات وتسوية الوضعية المالية والإدارية للمعنيين.
ولا تقتصر هذه الإشكالات على إقليم مكناس، بل تمتد، بحسب المصادر نفسها، إلى مختلف أقاليم جهة فاس مكناس التسعة، حيث تعيش العديد من المؤسسات الصحية الوضعية نفسها، وسط مطالب بالإسراع في إنهاء هذا الملف الذي طال أمده، ووضع حد لاستمرار تدبير مناصب المسؤولية بالإنابة أو التكليف المؤقت.
وتطالب الهيئات النقابية وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بالتدخل لتسريع مسطرة التعيين في جميع المناصب الشاغرة، وتمكين الأطر الصحية من حقوقها القانونية والإدارية، معتبرة أن استمرار التأخير ينعكس سلبا على الحكامة داخل المؤسسات الصحية، وعلى جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، ويقوض الجهود الرامية إلى إنجاح ورش إصلاح المنظومة الصحية الوطنية.







