كشف تقرير مؤشر إبراهيم للحوكمة في إفريقيا (IIAG) ، الصادر عن مؤسسة مو إبراهيم بمناسبة اليوم الإفريقي لمكافحة الفساد (11 يوليوز)، أن جهود مكافحة الفساد في القارة استعادت جزءًا من زخمها خلال السنوات الأخيرة، بعد فترة تراجع ملحوظ بين عامي 2018 و2020، غير أن الحصيلة العامة تظل دون مستوى التطلعات، في ظل بطء الإصلاحات واستمرار الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع.
وبحسب التقرير، فإن معدل التقدم في مكافحة الفساد على امتداد القارة لم يتجاوز 0.5 نقطة منذ سنة 2016، وهو ما يعكس محدودية أثر السياسات العمومية المعلنة، رغم تعدد المبادرات والالتزامات الحكومية في عدد من الدول الإفريقية.
ويرى التقرير أن العديد من قضايا الفساد التي هزت القارة خلال العقد الأخير، مثل “أوراق لومومبا” في جمهورية الكونغو الديمقراطية و”تسريبات لواندا” في أنغولا، كشفت حجم الاختلالات داخل المؤسسات، لكنها لم تتحول إلى إصلاحات هيكلية مستدامة، إذ ظلت في كثير من الأحيان مرتبطة بمبادرات فردية قادها مبلّغون عن الفساد، واجه بعضهم الملاحقة أو اضطروا إلى مغادرة بلدانهم.
وسجل التقرير المغرب ضمن قائمة الدول التي حققت تحسنًا في مؤشر مكافحة الفساد منذ سنة 2021، إلى جانب كل من السنغال وكوت ديفوار ومالي والغابون ومالاوي، مع ملاحظة أن غالبية الدول التي أحرزت تقدما تنتمي إلى غرب إفريقيا وشمالها.
ورغم هذا التحسن، لا يقدم التقرير صورة وردية عن واقع مكافحة الفساد، إذ يؤكد أن المكاسب المسجلة تظل محدودة مقارنة بحجم التحديات، وأن القارة لا تزال تواجه صعوبات في تحويل الالتزامات السياسية إلى نتائج ملموسة على مستوى الحكامة والشفافية.
وفي شمال إفريقيا، أشار التقرير إلى أن الجزائر حسنت ترتيبها بشكل لافت، بعدما انتقلت من المرتبة 29 إلى المرتبة 20 منذ سنة 2020، مستفيدة من اعتماد “الاستراتيجية الوطنية للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته” سنة 2023، والتي تستند إلى اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمكافحة الفساد.
ويعتبر التقرير أن اعتماد أطر قانونية جديدة يمثل خطوة إيجابية، لكنه يشدد على أن فعالية هذه النصوص تبقى رهينة بالتنزيل العملي واستقلالية مؤسسات الرقابة.
وحافظت رواندا وسيشل على موقعهما كأقل الدول الإفريقية فسادًا وفق المؤشر، تليهما موريشيوس، بينما برز حضور قوي لدول غرب إفريقيا ضمن المراتب العشر الأولى، من بينها السنغال وبنين والرأس الأخضر وبوركينا فاسو.
ومن أبرز خلاصات التقرير، تسليطه الضوء على التباين الكبير بين الخطاب الرسمي حول مكافحة الفساد والنتائج الفعلية، خاصة في دول الساحل التي شهدت انقلابات عسكرية خلال السنوات الأخيرة.
ويؤكد التقرير أن السلطات الجديدة في هذه البلدان جعلت من مكافحة الفساد أحد أبرز مبررات وصولها إلى السلطة، إلا أن المؤشرات الميدانية لا تعكس دائمًا هذا الخطاب.
ويضرب التقرير مثالًا بمالي، حيث تفوق نظرة المواطنين إلى شفافية المؤسسات العمومية الواقع الفعلي بـ43 نقطة، وهو فارق يعكس، بحسب مؤسسة مو إبراهيم، التأثير الكبير للخطاب السياسي أكثر من كونه نتيجة لتحسن فعلي في مؤشرات الحكامة.
أما النيجر، فرغم إعلان السلطات الجديدة بعيد انقلاب يوليوز 2023 عن إنشاء هيئة لمكافحة الفساد، فإن التقرير يصنفها ضمن أربع دول إفريقية سجلت أكبر تراجع في جهود مكافحة الفساد خلال سنة 2025.
ويخلص تقرير مؤسسة مو إبراهيم إلى أن مكافحة الفساد في إفريقيا لا تزال تحقق تقدما بطيئًا، وأن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الخطابات أو المبادرات المعلنة، وإنما بقدرة الدول على بناء مؤسسات مستقلة، وتعزيز المساءلة، وضمان تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
وبالنسبة للمغرب، فإن إدراجه ضمن الدول التي حققت تحسنًا يمثل مؤشرًا إيجابيًا، لكنه لا يعفي، وفق القراءة التي يقدمها التقرير، من مواصلة الإصلاحات وتعزيز فعالية آليات الرقابة والشفافية، في ظل استمرار الفساد كأحد أبرز التحديات التي تواجه التنمية والحكامة في القارة الإفريقية.







