أعادت الفيضانات التي ضربت عدداً من أقاليم شمال المغرب خلال الأسابيع الأخيرة، النقاش مجددا حول “هشاشة البنية المائية والوقائية”، بعدما تحولت أمطار موسمية، وُصفت في تقارير رسمية بغير الاستثنائية، إلى سيول جارفة ألحقت خسائر مادية واسعة، وفرضت إجلاء آلاف الأسر من منازلها، خصوصاً في الأحواض المرتبطة بواد اللوكوس وروافده.
ورغم أن المغرب راكم خلال العقود الماضية تجربة مهمة في تشييد السدود الكبرى والمتوسطة في إطار ما سُمّي بـ“سياسة السدود”، إلا أن التطورات المناخية المتسارعة، مقرونة بإشكالات التوحل وضعف الصيانة وغياب نجاعة التدخلات الاستباقية في بعض المجالات الترابية، أعادت طرح أسئلة النجاعة والجاهزية. فالمعطيات الصادرة عن تقارير رسمية سابقة للمجلس الأعلى للحسابات كانت قد حذّرت من تسارع وتيرة توحل عدد من السدود، ما يؤدي إلى فقدان نسبة مهمة من حقينتها السنوية، وهو ما يقلص قدرتها على لعب دور مزدوج، “التخزين والحماية من الفيضانات”.
وفي اتصال هاتفي لـ “نيشان” مع الخبير البيئي “أيوب مرير”، أوضح أن “الإشكال لم يعد مرتبطاً فقط بقوة التساقطات، بل بقدرة المنظومة المائية على امتصاص الصدمات المناخية”، مضيفاً أن عدداً من السدود في الأحواض الشمالية “فقدت ما بين 15 و25 في المائة من سعتها الأصلية بسبب التوحل، وهو رقم مقلق حين نتحدث عن تدبير ذروة الفيضانات”.
واعتبر “مرير” أن غياب برامج منتظمة وواسعة النطاق لإزالة الأوحال، مقابل كلفة مالية مرتفعة، جعل السلطات تراهن أكثر على السدود الجديدة بدل صيانة القائمة، “ما يخلق فجوة زمنية خطيرة بين الخطر والقدرة على الاستجابة”.
ولم تقف الانتقادات عند حدود السدود، بل امتدت إلى التوسع العمراني في مجاري الأودية والمناطق الفيضية، حيث تحولت أحياء كاملة إلى نقاط سوداء مع كل موسم مطير.
في هذا السياق، يرى مرير إن “جزءاً مهماً من الخسائر كان يمكن تفاديه لو تم احترام تصاميم التهيئة ومنع البناء في السهول الفيضية”، مبرزاً أن خرائط المخاطر المنجزة منذ سنوات “لا يتم دائماً تفعيلها على مستوى التراخيص المحلية”.







