أثار إعلان وزارة العدل عن إطلاق منصة إلكترونية للمسطرة الغيابية في القضايا الجنائية جدلاً واسعاً حول مدى قانونية هذا الإجراء، وما إذا كان يحترم الحقوق الأساسية للمتهمين المنصوص عليها في الدستور المغربي.
تُعرف المسطرة الغيابية بأنها إجراء قانوني يلجأ إليه القضاء في قضايا الجنايات عندما يتعذر إلقاء القبض على المتهمين أو يرفضون الاستجابة للاستدعاءات، ويتم إصدار أمر قضائي من غرفة الجنايات، يتولى الوكيل العام للملك تنفيذه عبر الشرطة القضائية. بعد ذلك، يُنشر إعلان بالمنصة الإلكترونية وفق المادة 445 من قانون المسطرة الجنائية، يتضمن بيانات شخصية دقيقة عن المتهم، بما فيها اسمه، هويته، مكان إقامته، صورته، وطبيعة الجناية المنسوبة إليه.
المحامي رشيد أيت بلعربي اعتبر أن هذا الإجراء يمثل “انتهاكاً صارخاً لقرينة البراءة”، التي نص عليها دستور 2011 في الفصل 119، حيث يُفترض أن كل متهم بريء إلى أن تثبت إدانته بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به. ويضيف أن نشر معطيات المتهمين على المنصة الرقمية “يشكل أقصى صور التشهير، وقد يترك آثاراً نفسية واجتماعية خطيرة على المتهم وعائلته”، خصوصاً في حالات البراءة لاحقاً.
كما أشار أيت بلعربي إلى أن غالبية المساطر الغيابية تتم دون التأكد من تسلم المتهم للاستدعاء قانونياً، ما يفتح الباب لتجاوزات مسطرية، ويجعل نشر المعلومات عبر المنصة “غير مبرر عملياً”، إذ إن المتهمين غالباً ما يقدمون أنفسهم طواعية أو تُلقى القبض عليهم من طرف الشرطة القضائية دون الحاجة إلى الإعلان الرقمي.
وانتقد المحامي تدخل وزارة العدل في متابعة القضايا أثناء سريانها أمام القضاء، معتبراً ذلك “اعتداءً على استقلال السلطة القضائية” الذي يكفله الدستور في الفصل الأول، ويؤكد أن السلطة التنفيذية ليست مخولة لنشر بيانات شخصية للمتهمين أثناء المحاكمة، ما يهدد أمنهم القضائي.
ويستند أيت بلعربي في تحليله إلى قرار المحكمة الدستورية رقم 255/25 الصادر بتاريخ 4 غشت 2025، والذي اعتبر أن أي تدخل للسلطة الحكومية في تدبير قاعدة المعطيات القضائية يجب أن يقتصر على التنسيق مع السلطة القضائية دون المساس باستقلالها، مشيراً إلى أن نشر المعلومات الشخصية للمتهمين في قانون المسطرة الجنائية يتعارض مع هذا المبدأ الدستوري.
ويخلص المحامي إلى أن “استفراد وزارة العدل بتدبير منصة المسطرة الغيابية ونشر المعطيات المتعلقة بالمتهمين وإتاحتها للعموم يشكل انتهاكاً صارخاً لقرينة البراءة، ولحق المتهمين في الأمن القضائي، واستقلال القضاء ومبدأ فصل السلط، وهي مبادئ كبرى يؤطرها الدستور ويتم العبث بها تحت غطاء الرقمنة والتحديث.”







