بينما تنشغل مطابخ الأحزاب السياسية الكلاسيكية هذه الأيام في تلميع “الورثة الجدد” وتجهيز “أبناء الزعماء والمحظوظين” لخلافة الآباء في مقاعد البرلمان خلال استحقاقات شتنبر 2026، يبدو أن هناك مغربا آخر يتشكل على مهل، بعيدا عن صالونات الرباط المخملية وحسابات الكواليس التي اعتادت أن ترسم خرائط السلطة.
إنه مغرب جيل جديد لا يشبه كثيرا الصورة التي تحتفظ بها النخب التقليدية في مخيلتها. مغرب “جيل زد”، ذلك الجيل الذي لم يعد يكتفي بدور المتفرج في مسرح السياسة، بل قرر أن يحول هاتفه الذكي إلى منصة رقابة دائمة، وأحيانا إلى “محكمة رأي عام” قاسية لكل من يعتقد أن المقعد البرلماني يمكن أن يُورث كما يُورث العقار أو الأصل التجاري.
في انتخابات شتنبر 2021 بدا المشهد أقرب إلى “كرنفال كبير” لنظام الأعيان والتمكين العائلي. تمدد الأخطبوط العائلي بهدوء داخل الجماعات والجهات، وظهرت أسماء جديدة تحمل الألقاب نفسها التي ألفها الناخبون لعقود.
يومها بدت الوصفة مجربة ومضمونة، عائلة نافذة هنا، وجاه انتخابي هناك، وشبكات مصالح تمتد من الدوّار إلى مركز القرار. غير أن الزمن السياسي لا يقف عند لحظة واحدة. اليوم، ونحن على أعتاب موقعة شتنبر 2026، يبدو أن تلك الوصفة نفسها لم تعد صالحة للاستهلاك كما كانت. الأحزاب التي اعتقدت أن “التوريث الانتخابي” هو صمام أمان لاستمرار نفوذها، تصطدم تدريجياً بجدار وعي رقمي جديد لا يعترف كثيرا بالمكانة الاجتماعية ولا يقدس “الماركات السياسية المسجلة”.
السؤال الذي يطفو على السطح، وإن كان البعض يفضل تجاهله، بسيط في ظاهره عميق في دلالاته، وهو كيف يمكن إقناع شاب مغربي نشأ في عصر الشفافية الرقمية بأن “ابنة الزعيم” أو “صهر الوجيه” هو الأجدر بتمثيله في البرلمان لمجرد انتماء جيني؟ هنا تحديدا يتشكل الصدام الحقيقي. ليس صداما انتخابيا عاديا، بل مواجهة بين منطقين مختلفين في فهم السياسة. منطق قديم يقوم على ما يمكن تسميته بـ“ديمقراطية الـADN””، حيث تتحول المواقع التمثيلية إلى امتداد طبيعي للنفوذ العائلي، ومنطق جديد يرفع شعار الكفاءة والجدارة، ويرفض أن يُدار الشأن العام بعقلية “الفيرمات السياسية”.
وإذا كان الأعيان في انتخابات 2021 قد راهنوا على “الشكارة” وعلى شبكات الولاء التقليدية، فإن معركة 2026 تبدو مختلفة في أدواتها وقواعدها. الخصم الجديد ليس حزبا منافسا بقدر ما هو جيل كامل يتقن استخدام المنصات الرقمية كسلاح سياسي غير تقليدي. جيل “تيك توك” و“ديسكورد” و“إكس” و”أنستغرام”، الذي يمتلك قدرة مذهلة على تحويل لحظة عابرة إلى قضية رأي عام خلال ساعات قليلة. في هذا الفضاء المفتوح، لا شيء يبقى سرا طويلاً، ولا أحد محصناً من النبش في الأرشيف الرقمي.
الكواليس السياسية نفسها بدأت تعترف بأن عددا من أبناء الأعيان الذين دُفع بهم إلى الواجهة كامتداد طبيعي لمصالح الآباء يعيشون اليوم قلقا حقيقيا من هذا “النبش الرقمي”. فكل زلة لسان يمكن أن تتحول إلى مقطع متداول على نطاق واسع، وكل مظهر من مظاهر البذخ المستفز يمكن أن يصبح رمزاً للفجوة بين الخطاب والواقع، وكل ظهور غير محسوب في بث مباشر قد ينتهي مادة خاماً لحملة سخرية جماعية. إنها معركة غير متكافئة بين أدوات الأمس وأدوات اليوم؛ بين من ما زال يعتقد أن الولاءات المحلية يمكن أن تحسم النتائج، وبين جيل يرى في هاتفه أداة محاسبة فورية لا تخضع لقواعد الضبط التقليدية.
هذا الجيل يراقب أيضاً المشهد السياسي بعين أقل تسامحاً مع ما كان يُعتبر في الماضي “تفاصيل عادية”. حين يرى عشرات المنتخبين والمسؤولين يتابعون في ملفات فساد، وحين يسمع خطاب الإصلاح يتكرر بالعبارات نفسها كل موسم انتخابي، فإنه لا يكتفي بالاستماع، بل يقارن ويبحث ويعلق ويصنع رأيا عاما موازيا.
لذلك تبدو محاولة بعض الأحزاب استقطاب “مؤثرين” لتلميع صورة الورثة السياسيين أقرب إلى حل تجميلي قصير الأمد. فالفارق بين الدعاية المدفوعة والاقتناع الحقيقي أصبح أوضح بكثير لدى جمهور نشأ في بيئة رقمية تعج بالمعلومات المتناقضة.
في العمق، الرهان الحقيقي لانتخابات شتنبر 2026 لا يتعلق فقط بمن سيتصدر النتائج أو من سيشكل التحالفات الحكومية اللاحقة. الرهان الأكبر هو ما إذا كان النظام الحزبي المغربي سيملك الجرأة الكافية لقطع الحبل السري مع منطق التوريث السياسي الذي استمر طويلاً. فالإصرار على إعادة تدوير الأسماء نفسها، حتى وإن جاءت هذه المرة بألقاب الأبناء والأصهار، قد يكون وصفة مضمونة لتوسيع فجوة الثقة بين الشباب والمؤسسات التمثيلية.







