رغم الجدل الذي رافق مشروع المدارس الرائدة منذ إقراره، وما أثاره من انتقادات واسعة حول تكريسه لواقع “تعليم بسرعتين” داخل المدرسة العمومية، تواصل وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة فرض الأمر الواقع والمضي قدما في تنزيل هذا الورش المثير للانقسام.
وفي أحدث خطوة لها، وجهت الوزارة مذكرة مستعجلة تطلق من خلالها عمليات بحث ميداني مكثفة، تمتد من 22 يونيو الجاري إلى 10 يوليوز 2026، بهدف تقييم ومنح “علامة الريادة” للمؤسسات الابتدائية والإعدادية المنخرطة في هذا البرنامج برسم الموسمين الدراسيين الأخيرين.
وبحسب المذكرة الوزارية التي تحمل رقم 26-650، فقد أوكلت الوزارة الوصية مهمة هذا التقييم، الذي تعتبره حاسما، إلى فرق تابعة للمرصد الوطني للتنمية البشرية.
ويرتقب أن يحل باحثان بكل مؤسسة تعليمية معنية لجمع المعطيات الميدانية وتعبئة استمارات مخصصة لمختلف الفاعلين التربويين، وذلك لتصنيف هذه المدارس وفق ثلاثة مستويات تنظيمية حددها مرسوم سابق، وهي “المطابقة” و”التحسين” و”الاستدامة”. ولتمرير هذه العملية، شددت الوثيقة الموقعة بتفويض من الوزير، على المديرين والمفتشين بضرورة التعبئة الشاملة لتيسير مهام فرق البحث وضمان حسن استقبالها، معتبرة أن مخرجات هذا البحث الميداني ستكون الفيصل في منح اللجنة المركزية لهذه “الشارات”.
وتأتي هذه التحركات الإدارية لتسلط الضوء مجددا على السياق المحتقن الذي يرافق تنزيل خارطة الطريق 2022-2026. ففي الوقت الذي تستميت فيه الوزارة في تسويق مشروع “مؤسسات الريادة” كعصا سحرية لانتشال التعليم العمومي من أزماته والرفع من جودة التعلمات والحد من الهدر المدرسي، ترى الفعاليات النقابية والتربوية أن هذا النموذج يخلق شرخا عميقا في مبدأ تكافؤ الفرص.
وتتركز الانتقادات بالأساس حول تخصيص الوزارة لعناية لوجستيكية حصرية وتحفيزات مالية مشروطة لمدارس الريادة، في تجاهل تام لآلاف المؤسسات الأخرى التي تترك لمواجهة مصيرها مع الاكتظاظ المهول، واهتراء البنية التحتية، وغياب أبسط المرافق الصحية، وهو ما يعتبره كثيرون ضربا في مجانية ومساواة التعليم العمومي.
وتستند هذه الخطوة التقييمية إلى أرضية قانونية تتمثل في المرسوم رقم 2.24.144 المتعلق بعلامة مؤسسات الريادة الصادر في يوليوز 2024، واتفاقية الشراكة الموقعة مع المرصد الوطني للتنمية البشرية في أبريل 2025. غير أن توالي المذكرات واستنفار لجان الافتحاص الخارجي لتوزيع الشارات، يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت هذه الإجراءات الإدارية كافية لحجب الاختلالات البنيوية العميقة التي تنخر جسد المنظومة، أم أنها مجرد مساحيق تجميلية لمشروع يواجه رفضا صامتا من لدن فئة واسعة من الشغيلة التعليمية، التي تؤمن بأن الإصلاح الجذري يبدأ بتوفير ظروف عمل لائقة وموحدة للجميع، وليس عبر تسييج بعض المدارس بـ”ريادة” معزولة عن واقعها.







