مع اقتراب عيد الفطر، تبدأ ملامح الفرح تتسلل إلى البيوت المغربية. تتعالى أحاديث الأطفال عن “كسوة العيد”، وتنبعث روائح الحلويات من المطابخ، وتستعد العائلات لاستقبال يوم يُفترض أن يكون تتويجًا روحيًا لشهر كامل من الصيام. غير أن هذه الأجواء، التي لطالما ارتبطت بالبهجة والطمأنينة، صارت في السنوات الأخيرة تحمل وجهًا آخر أقل إشراقًا؛ وجهًا يثقل كاهل الأسر بمصاريف متصاعدة، ويحوّل لحظة الفرح الجماعي إلى امتحان صعب للقدرة الشرائية.
ففي ظل موجة الغلاء التي تطبع المشهد الاقتصادي، لم يعد عيد الفطر مجرد مناسبة دينية واجتماعية، بل تحول إلى محطة استهلاكية كثيفة تتطلب استعدادًا ماليًا يفوق أحيانًا قدرة العديد من الأسر، خصوصًا تلك المنتمية إلى الطبقة المتوسطة أو الهشة. وبين متطلبات “كسوة العيد”، وتحضيرات الحلويات، ومصاريف الزيارات العائلية، يجد كثير من المغاربة أنفسهم أمام معادلة معقدة، “كيف يحافظون على طقوس الفرح دون أن يغرقوا في دوامة الديون؟”.
في جولة بين الأسواق الشعبية بمدينتي سلا والرباط، تبدو الصورة واضحة. في سوق “المدينة العتيقة” أو في أزقة “باب الأحد”، تتزاحم العائلات أمام المحلات، غير أن الحماس غالبا ما يصطدم بواقع الأسعار. فاقتناء لباس عيد لطفل واحد قد يتطلب ما بين 500 و800 درهم في المتوسط، وقد يتجاوز ذلك بكثير إذا أضيفت إليه الأحذية والإكسسوارات. أما تحضير الحلويات التقليدية، التي تعد جزءاً لا يتجزأ من طقوس العيد، فقد أصبح بدوره أكثر كلفة، بعدما سجلت أسعار مكونات أساسية مثل اللوز والزبدة والسكر ارتفاعات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة.

تقول فاطمة، وهي عاملة في “الكابلاج” وأم لثلاثة أطفال، إن العيد لم يعد مناسبة سهلة كما كان في السابق. توضح بنبرة تجمع بين التعب والحرص على إسعاد أبنائها: “نخرج بالكاد من مصاريف رمضان، لنجد أنفسنا مباشرة أمام مصاريف العيد. نحاول قدر الإمكان ألا نحرم الأطفال من فرحتهم، لكن الحقيقة أن الراتب يتبخر بسرعة، وأحيانًا نضطر للاعتماد على “كارني مول الحانوت” أو طلب مساعدة من الأقارب”.
هذا الضغط المالي لا يقتصر على الأسر ذات الدخل المحدود فقط، بل يمتد بدرجات مختلفة إلى فئات أوسع من المجتمع. فخلال هذه الفترة من السنة، تشهد قروض الاستهلاك الصغيرة إقبالاً ملحوظًا، حيث تلجأ بعض الأسر إلى الاستدانة لتغطية نفقات العيد. وتعزو “فرح أمنجار” المختصة في علم الاجتماع الاقتصادي هذه الظاهرة إلى ما أسمته “الضغط الاجتماعي للاستهلاك”، حيث يشعر الكثيرون بضرورة الحفاظ على صورة معينة أمام المحيط العائلي والاجتماعي، خصوصا في المناسبات الدينية التي ترتبط تقليديًا بمظاهر الكرم والاحتفال.
في أحد الأسواق الشعبية بمدينة سلا، يقف عادل، وهو عامل مياوم في قطاع البناء، متأملاً واجهات المحلات قبل أن يقول بنبرة هادئة تخفي الكثير من القلق: “العيد فرحة، لكنك لا تريد أن تدخل البيت ويدك فارغة. الأطفال ينتظرون الكسوة والحلوى مثل كل سنة. نحاول أن ندبر الأمر بما تيسر، لكن الأسعار أصبحت مرتفعة جداً”.

من جهتهم، يؤكد مهنيون في قطاع الحلويات والمخابز أن الإقبال على منتجات العيد ما زال قائمًا، لكنه تغير في طبيعته. فالكثير من الزبائن صاروا يقتنون كميات أقل مقارنة بالسنوات الماضية، أو يختارون أصنافا أبسط وأقل كلفة. ويعكس هذا السلوك، بحسب هؤلاء المهنيين، حرص الأسر المغربية على الحفاظ على تقاليد العيد، حتى وإن كان ذلك في حدوده الدنيا.
ورغم هذه الضغوط الاقتصادية، يظل العيد بالنسبة للمغاربة أكثر من مجرد مناسبة استهلاكية. فهو لحظة اجتماعية عميقة الدلالة، تتجدد فيها صلة الرحم وتلتئم العائلات حول مائدة واحدة. غير أن التحدي المطروح اليوم يكمن في إيجاد توازن بين الحفاظ على هذه الطقوس وبين حماية ميزانية الأسرة من الاستنزاف.
وفي ظل هذا الواقع، يطرح كثيرون تساؤلات حول ضرورة تعزيز آليات حماية المستهلك وضبط الأسواق خلال فترات الذروة الاستهلاكية، حتى لا تتحول المناسبات الدينية إلى مواسم للمضاربة ورفع الأسعار.
كما يفتح النقاش، في المقابل، حول الحاجة إلى إعادة التفكير في بعض الممارسات الاستهلاكية المرتبطة بالمناسبات، بما يسمح بالحفاظ على جوهر العيد كقيمة روحية واجتماعية، بعيدًا عن الضغوط المادية التي باتت تلاحق الكثير من الأسر.

هكذا، وبين فرحة الأطفال بكسوة جديدة، وقلق الآباء من ميزانية مثقلة، يظل عيد الفطر بالنسبة لكثير من المغاربة لحظة تجمع بين البهجة والتحدي، يوم يفيض بالرمزية الدينية والاجتماعية، لكنه يكشف أيضًا، بصمت، حجم التحولات التي طرأت على حياة الأسر في زمن الغلاء.







