أبشع شيء في هذا المونديال هو “الديكالاج هورير”!
من أجل عيون “الماتشات” تبقى عيوننا مفتوحة حتى الساعات الأولى من الصباح. لكن محنة العيون تهون أمام محنة الآذان. منذ بداية المنافسات ونحن نتحمل اعتداءات المعلقين الرياضيين على آذاننا لمدة تفوق تسعين دقيقة، دون احتساب “استراحات التبريد”، التي تفتقت عليها عبقرية “الفيفا”، في هذه الدورة، ولها فوائد متعددة : ترطيب اللاعبين، وتوفير مساحات للإعلان على القنوات التي تنقل المباريات، وجعْل المشاهد يرتاح من التلوث الصوتي الذي يخرج من الشاشة، ويستبيح البيوت والمقاهي والأماكن المخصصة للفرجة : بّا بّا بّا بّا بّا… بّو بّو بّو بّو بّو… هو هو هو هو هو… أُو أُو أُو أُو أُو… وغيرها من الأصوات الحيوانية، التي يتحفنا بها معلقو “بين سبور” ومن يقلدهم في قنواتنا الوطنية. كأنهم ليسوا مذيعين في التلفزيون بل “سرّاحة” يتوجّهون إلى قطيع بهائم !
الغريب أن “التهلال” في المونديال يُسْمع قبل حتى أن يبدأ “الماتش”، لا يتركون لك فرصة كي تتنفس. معلقون يخافون من الصمت، يثرثرون بلا توقف، مع تعابير مسكوكة “تفرشخ” اللغة العربية، واستشهادات خارج السياق، بأبيات شعرية مغلوطة ومقولات ركيكة، يعتقدون أن المهنية تعني الصراخ والتميز يعني الصهيل والتألق يعني النهيق، ولا أعرف ما الذي حدث تحديدا، حتى نزل التعليق الرياضي إلى هذا الحضيض، وتحوّل إلى “سوق شعبي” يتعالى فيه الهتاف والصياح، لكنني أعتقد أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق “بين سبور”، التي تستحوذ على سوق البث التلفزيوني لمنافسات كرة القدم العالمية، وبدل أن تستثمر في تعليق رزين، يواكب المباريات بحماس معقول، دون تهويل وتهليل، كما هو حال المعلقين في نسختها الفرنسية مثلا، اختارت أن تتوجه إلى غرائز المشاهدين، وانفعالاتهم البدائية، بأسلوب شعبوي، وحماس مفتعل، يذكرنا ببرنامج “الجزيرة” الشهير “الاتجاه المعاكس”، الذي لا يميِّز بين الجدَل والدَّجل والهبَل، كأن العرب لا يعرفون النقاش الرصين، ليس لهم عقل، ولا يتقنون إلا لغة الانفعال والصهيل والعويل !
ليس أفظع من مذيعي “بين سبور” إلا معلقو الإذاعات الوطنية. المذيع لم يكلف نفسه عناء التنقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بل يتابع “الماتش” من مقرّ الإذاعة، على التلفزيون، مثل ملايين المغاربة، وبدل أن ينقل للمستمعين أجواء المباراة، كما تقتضي وظيفته، يقدّم محاضرة في خطط الدفاع والهجوم، ويعطي التعليمات للمهاجمين، ولحارس المرمى، كأنه مدرب وليس مذيعاً. لا لا، ماشي هاكّاك أ دياز… اللاعبين خاصهم يرجعو لخط الدفاع… ماشي هادي هي الخطة اللي تكلم عليها وهبي فالندوة الصحافية … خاصهم ينتبهوا للكرات الطويلة… بونو في راحة تامّة…
في الوقت الذي تكون فيه الكرة قد دخلت الشباك، وتسمعه فجأة يصرخ كأن سيارة دهسته !
لحسن الحظ أننا لسنا مضطرين دائما للاستماع إلى ترهاتهم، لكن الظروف تضطرك أحيانا إلى ذلك. كأن تكون عائدا من السفر، مثلا، وقت المباراة، وليس عندك ريزو على الهاتف، وتضطر للإنصات إلى الإذاعة في السيارة كي تعرف النتيجة. تكتشف أن المعلق لا يصف ما يجري في الملعب بل يقدم قراءة في خطة المدرب وما يدور في رؤوس اللاعبين ويحتج على قرارات الحكم، دون أن يخبرك بها، يغلب اللوم والغضب على نبرته، كأنه هو من يدفع رواتب اللاعبين والحكام والمدربين، وتذاكر الجمهور أيضا. يقوم بكل الوظائف إلا التعليق الرياضي !
سقى الله تلك الأيام التي كان فيها التلفزيون بالأبيض والأسود، وحنجرة المعلقين الرياضيين من ذهب. كان سعيد زدوق يعلق على المباريات برصانة واتزان. يعطي أسماء اللاعبين الذين يمسكون بالكرة، ويصف الهجمات والتمريرات والمرتدات، بحماس حقيقي، دون تهويل أو تهليل أو صهيل أو عويل… بخلاف ما يظن الكثيرون، بإمكاننا أن نشاهد مباراة في كرة القدم دون صراخ، اللعب لن يتغير، والأهداف هي الأهداف، والمتعة هي المتعة… لكن يبدو أن نجاح المذيع الرياضي اليوم يقاس بالصراخ، كلما علا صهيله، كلما كان التعليق ناجحا. كثيرون يحبون هذه الطريقة الشعبوية في مواكبة “الماتشات”، ويعتبرون أنها أحدثت ثورة في عالم الكرة… ولله في خلقه شؤون !







