في الوقت الذي حاول فيه وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، تقديم حزمة قراراته الأخيرة على أنها استجابة عاجلة لاحتجاجات أكادير و”إنقاذ” لمستشفى الحسن الثاني، كشفت وثائق ومعطيات اطلع عليها “نيشان” أن ما تم تسويقه لا يعدو أن يكون إعادة إخراج لاتفاقيات وصفقات قديمة، جرى توقيعها أو برمجتها منذ سنوات، قبل أن يُعاد تقديمها في ثوب جديد.
فالوزير تحدث عن “استثمار 200 مليون درهم لتأهيل وتجهيز المستشفى”، بينما تؤكد وثائق رسمية أن هذه الاتفاقية نفسها وُقعت يوم 30 ماي 2023 بحضور رئيس الحكومة عزيز أخنوش، والوزير السابق خالد آيت الطالب، ووالي جهة سوس ماسة، ورئيس مجلس الجهة “كريم اشنكلي” عن حزب الاحرار.

كما صادق مجلس جماعة أكادير في 12 أكتوبر 2024 على تعديلات رفعت الغلاف المالي إلى 205 ملايين درهم، مضيفاً مرافق وخدمات جديدة. أي أن المشروع قائم منذ أكثر من سنتين، وأن ما أعلنه الوزير الحالي ليس سوى إعادة تسويق لبرنامج جاهز وممول مسبقا.

وبحسب المعطيات ذاتها، فإن الأمر لا يقتصر على هذا الملف. فصفقات النظافة والحراسة التي قُدمت كإجراء عاجل بعد انفجار أزمة “مستشفى الموت” كانت في الواقع مبرمجة قبل أشهر. إذ نُشر إعلان طلب العروض الدولي رقم 16/2025/DRSPS-SM الخاص بالنظافة يوم 24 يوليوز 2025، مع تحديد فتح الأظرفة في 7 أكتوبر المقبل، بكلفة تقديرية تناهز 21.4 مليون درهم موزعة على حصتين.

أما صفقة الحراسة (رقم 15/2025/DRSPS-SM) فقد أُعلنت في اليوم نفسه، مع برمجة فتح الأظرفة في 14 أكتوبر 2025، وبكلفة إجمالية تفوق 31 مليون درهم. وهي معطيات تُفند صورة “التدخل الفوري” التي حاول الوزير ترويجها.
وعلى المنوال ذاته، فإن قرار تغيير مدير مستشفى الحسن الثاني لم يكن وليد لحظته، إذ تشير وثائق التعيينات إلى أن القرار مؤرخ في 9 شتنبر 2025، أي قبل نحو أسبوع من اندلاع الوقفات الاحتجاجية. وهو ما يعزز فرضية أن الأحداث الاجتماعية استُعملت فقط كمنصة لإعادة تسويق قرارات جاهزة.

إلى ذلك، كشفت مصادر خاصة لـ”نيشان” أن “خلية أزمة” شكلت داخل الوزارة، لعبت دورًا حاسمًا في صياغة رواية إعلامية تُظهر الوزير في صورة “المنقذ”، في محاولة لتلميع صورة الوزارة التي يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو الحزب نفسه الذي يقود الحكومة، ويرأسه عزيز أخنوش، عمدة مدينة أكادير الواقعة بجهة سوس، والتي تُعتبر معقلاً انتخابيًا للأحرار على بعد أشهر قليلة من انتخابات 2026.
وبحسب مصادر “نيشان“، فإن هذه الخلية اشتغلت على “تركيب” القرارات القديمة والصفقات المبرمجة في قالب واحد، وقدمتها للصحافة كاستجابة استثنائية وسريعة للغضب الشعبي. الهدف، وفق المصادر نفسها، لم يكن معالجة الأزمة فعليا، بل التحكم في سرديتها أمام الرأي العام وتفادي تحميل الوزير نفسه مسؤولية فشل المنظومة الصحية.
وتكشف هذه الوقائع، كما تؤكدها الوثائق والتواريخ الرسمية، عن إشكالية غياب الشفافية في الخطاب الحكومي، حيث يُعاد استعمال قرارات قديمة ومساطر إدارية عادية لتلميع صورة وزير يواجه واحدة من أعقد الأزمات الاجتماعية. أزمة لا يبدو أن التسويق الإعلامي وحده قادر على معالجتها، ما دامت جذورها أعمق من مجرد تبديل مسؤول أو إعادة إخراج اتفاقية.








