الاثنين 6 يوليوز 2026
“السيدة المُحْتَمَرَة”
سيدة محترمة، تجاوزت الخمسين، في كامل أناقتها. تعبر الطريق وسط الرباط، بتثاقل شديد على ممر الراجلين رفقة ابنتها المراهقة، أو ما يبدو أنها ابنتها المراهقة. الرجُل الصغير على الإشارة الضوئية أحمر، وهما تمشيان الهوينى. يزعق عليهما منبّه تويوتا ياريس. تحدج السيدة المحترمة العربة بشرر وتكمل طريقها بالتثاقل ذاته وهي تهمهم : حمااار… صاحب التويوتا سمعها لكنه تمالك أعصابه، رمقها بامتعاض وواصل طريقه. لحسن الحظ، خمنت، وإلا لكانت العواقب وخيمة. لا أعرف ماذا يدور بالتحديد في رأس السيدة “المُحْتَمَرَة”، ولماذا اعتبرت أن كل الألوان تصلح لعبور الطريق؟ ربما كانت لديها فكرة خاطئة عن “الگالانتري”، النساء أولا، حتى عندما يكون الضوء أحمر. وربما كان السائق مخطئا، لأن الإشارات في النهاية مجرد ألوان. وكما يقول المثل الشهير: ماشي شي حمورية…. ثم إن القواعد والقوانين لم توضع إلا لكي تخرق. وربما كنتُ المخطئ لأنني صنعت من الحبة قبة: المشهد عاديّ، في النهاية، يحدث كل يوم!
الأربعاء 8 يوليوز 2026
“اللي سبق يدوز”
زحممة سير رهيبة في “رونبوان شيميكولور”، وسط الدار البيضاء. الخامسة مساء. الجو حار والسيارت تأتي من كل الاتجاهات، وتسير كيفما اتفق. المنبهات تزعق. أصحاب الدراجات يتسللون بين العربات، وينجحون في تفادي الزحمة. ليس دائما. سائق غلوفو يتحدث في الهاتف ويحاول التسلل بين العربات، فجأة مالت دراجته وسقط بشكل مضحك، لا شيء يدعو للقلق، لحسن الحظ، نهض السائق وعدّل دراجته ثم واصل الطريق. نادرا ما رأيت سائق غلوفو لا يتحدث في التلفون. يسوق ويتحدث مع الزبائن، لأنه لا يملك خيارا آخر، يريد أن يربح الوقت. لحسن الحظ أن أحدا لم يدهسه حين سقط، لكن مصير الطلبية مجهول. علت الأصوات. سمفونية من الكلاسكسونات. سائق تاكسي ليست له الأولوية ومع ذلك “زرب” على سيارة قادمة من الجهة المقابلة. يصرخ صاحب السيارة:
- آش كدّير أصاحبي؟ ما عندكش الحق…
يخرج السائق يده من النافذة:
- مالك؟ كازا هادي اللي سبق يدوز… ويضغط على الأكسيليراتور.
الخميس 9 يوليوز 2026
“مرات الشيطان”
شاب في مقتبل العمر، يدوّر محرّك سيارته الفورد فييستا المركونة منذ الصباح قرب شغله. يفتش في جيوبه وفي حافظة النقود، ويكتشف أن ليس لديه قطعا نقدية. في النهاية يعثر على درهمين في وعاء صغير بالسيارة. يمدهما من النافذة لشخص يرتدي سترة صفراء. ينظر “بارد لكتاف” إلى القطعتين بامتعاض : “الصباح كامل وانت شادّ ليا البلاصة على جوج دراهم”! البلاصة ديالو طبعا، يدفع إيجارها كل شهر. من منح لهؤلاء حق استخلاص رسوم على ركن السيارات؟
في رصيف آخر. سيدة تدوّر محرّك سيّارتها السيتروين. تفتش في حافظة النقود ولا تجد إلا درهمين. تفكر: “حشومة نعطيه جوج دراهم!” تسكّت السيارة. تنزل في اتجاه أول شباك بنكي وتسحب أوراقا نقدية. تعود إلى السيتروين وتدوّر المحرك مجددا ثم تسلم للحارس مائة درهم : “هاك عافاك صرّف ليا هادي”… يأخذ الورقة ويختفي. ربع ساعة. نصف ساعة. ساعة… اختفاء مريب. لقد سرق “بارد لكتاف” القرفية وهرب… حشومة هي مرات الشيطان!
الجمعة 10 يوليوز 2026
“La classe”
كنت في السيارة، متوقفا في السطوب. على يساري كاتكات فارهة، تسوقها أربعينية بهندام أنيق، محجبة على الطريقة التركية. السيارة من نوع رانج روفر. السيدة “كلاس”، تلحس “لاگلاس” وتنتظر الضوء الأخضر. المقود في يسراها وفي يمناها عود المثلج، تلتهم ما تبقى عليه بنهم. يشتعل الضوء الأخضر، تتحرك السيارة، ومن النافذة ترمي المحجبة عقب “الگلاس” على قارعة الطريق، بكل خفة… يا ودي على “كلاس” !
الأحد 12 يوليوز 2026
“مول الصفّارة”
أخذت سيارة أجرة إلى بحر الرباط. أحب الجلوس في المقاهي التي فتحت أبوابها بعد أن نظفوا المكان وأعادوا تأهيله. لدي كثير من الذكريات هنا. غير بعيد كنا ندرس أيام معهد المسرح، في قصبة الاوداية تحديدا. الباركينغ المجاور للشاطئ مغلق بسبب كثرة السيارات. شرطيان يقفان أمام مدخل المرآب ولا يتوقفان عن التصفير. كأن هناك موكبا رسميا سيمرّ. حين وصل التاكسي جنب الياركينغ حيث يفترض أن أنزل، صفر الشرطي ثم نهر سائق التاكسي : ابتعد من هنا، ممنوع الوقوف، وإلا سآخذ لك السيارة!
لا أريد أن انزل بعيدا، لكن الشرطي يصفر ويهدد بأخذ التاكسي إلى “الفوريان”. في النهاية نزلت بسرعة وتركت السائق يفر بسرعة خوفا من بطش رجال الأمن. ورائي سيارة أجرة أخرى، وقع لها نفس الموقف. البوليسي يصفر ويصرخ ويتوعد السائق. نزلت من التاكسي أمّ شابة مع ابنها الصغير. خمس سنوات لا أكثر. يحملان أغراض البحر. بمجرد ما نزلت السيدة من التاكسي بدأت تستنكر سلوك البوليسي: علاش كتصفر أسيدي، علاش كتغوّت علينا ياك لاباس؟ التاكسي راه من حقو يوقف باش يحط الناس، هادا راه القانون… “طلاتو”، كما نقول بالدارجة الفصحى. لم يردّ الشرطي، وصعّدت السيدة: يا كما حسابك غادي تخلعنا بديك الصفارة، المغرب راه تبدل والناس عاقو… امتقع وجه صاحب البذلة الرسمية ولم ينبس ببنت شفة، ربما لأنه أدرك خطأه، فيما واصلت السيدة الحديث مع ابنها ذي الخمس سنوات، بفرنسية فصيحة:
« — Il ne faut jamais avoir peur de qui que ce soit, mon cœur. Tant que tu n’as rien fait de mal, tu n’as rien à craindre. Un policier est là pour faire son travail, pas pour embêter les gens. Le Maroc a changé. Personne ne doit t’impressionner, mon fils, tant que tu respectes la loi ! »







